تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
يقول تعالى لما ذكر روضات الجنة، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات :﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي : هذا حاصل لهم كائن لا محالة، ببشارة الله لهم به.
وقوله :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش : لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات(١) ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.
قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا(٢) عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله تعالى :﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد. فقال ابن عباس : عَجِلْتَ إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. انفرد به البخاري(٣).
ورواه الإمام أحمد، عن يحيى القطان، عن شعبة به. وهكذا روى عامر الشعبي، والضحاك، وعلي بن أبي طلحة، والعَوْفي، ويوسف بن مِهْران وغير واحد، عن ابن عباس، مثله. وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤) حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا حدثنا آدم بن أبي أياس، حدثنا شريك، عن خُصَيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : قال لهم رسول الله ﷺ :" لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تَوَدّوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " (٥).
وروى الإمام أحمد، عن حسن بن موسى : حدثنا قَزَعَة يعني ابن سُوَيد - وابن أبي حاتم - عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قَزَعة بن سويد - عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ؛ أن النبي ﷺ قال :" لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا، إلا أن تُوَادوا الله، وأن تقربوا إليه بطاعته " (٦).
وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري، مثله.
وهذا كأنه تفسير بقول ثان، كأنه يقول :﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي : إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى.
وقول ثالث : وهو ما حكاه البخاري وغيره، رواية عن سعيد بن جبير، ما معناه أنه قال : معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي : تحسنوا إليهم وتبروهم.
وقال السدي، عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة. فقال له علي بن الحسين : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم. قال : أقرأت آل حم ؟ قال : قرأت القرآن، ولم أقرأ آل حم. قال : ما قرأت :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ؟ قال : وإنكم أنتم(٧) هم ؟ قال : نعم.
وقال : أبو إسحاق السَّبِيعيّ : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال : قربى النبي ﷺ. رواهما ابن جرير(٨).
ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا فقال ابن عباس - أو : العباس، شك عبد السلام - : لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال :" يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي ؟ " قالوا : بلى، يا رسول الله. قال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله قال :" أفلا تجيبوني ؟ " قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال :" ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟ أو لم يكذبوك فصدقناك ؟ أو لم يخذلوك فنصرناك " ؟ قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال : فنزلت :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٩).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده مثله، أو قريبا منه.
وفي الصحيحين - في قسم غنائم حنين - قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية. وذكْرُ نزولها في المدينة فيه نظر ؛ لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية الكريمة وبين السياق مناسبة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير(١٠) عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا : يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال :" فاطمة وولدها، عليهم السلام " (١١).
وهذا إسناد (١٢) ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي مُتَخَرّق(١٣)، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل. وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد ؛ فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من(١٤) السنة الثانية من الهجرة.
والحق تفسير الآية بما فسرها به الإمام حَبرُ الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري [ رحمه الله ] (١٥) ولا تنكر الوصاة(١٦) بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين.
و [ قد ثبت ] (١٧) في الصحيح : أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغَدِير خُمّ :" إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض " (١٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث (١٩)، عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها ؟ قال : فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا، وقال :" والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله " (٢٠).
ثم قال أحمد (٢١) حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد المطلب بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تُحدث، فإذا رأونا
سكتوا. فغضب رسول الله ﷺ ودَرّ عِرْق بين عينه(٢٢)، ثم قال :" والله لا يدخل قلب امرئ (٢٣) إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " (٢٤).
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال : سمعتُ أبي يحدّث (٢٥) عن ابن عمر، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، قال : ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته(٢٦).
وفي الصحيح : أن الصديق قال لعلي، رضي الله عنهما : والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي(٢٧) (٢٨).
وقال عمر بن الخطاب للعباس، رضي الله عنهما : والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم ؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب.
فحال الشيخين، رضي الله عنهما، هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ؛ ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين، رضي الله عنهما، وعن سائر الصحابة أجمعين.
وقال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حَيّان التيمي، حدثني يزيد ابن حيان قال : انطلقت أنا وحُسَيْن بن مَيْسَرة، وعمر(٢٩) بن مسلم إلى زيد (٣٠) بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيتَ يا زيد (٣١) خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ، وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت معه. لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ. فقال : يا ابن أخي، والله كَبُرت(٣٢) سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال : قام رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا فينا، بماء يدعى خُمّا - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال :" أما بعد، ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما : كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال :" وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال : أكل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم.
وهكذا رواه مسلم [ في فضائل ] (٣٣) والنسائي من طرق عن يزيد بن حَيّان به(٣٤).
وقال أبو عيسى الترمذي (٣٥) حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد - والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم - قال : قال رسول الله ﷺ " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من (٣٦) السماء إلى الأرض، والآخر عترتي : أهل بيتي، ولن يَتَفَرَّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "
تفرد بروايته الترمذي(٣٧) ثم قال : هذا حديث حسن غريب.
وقال الترمذي أيضا (٣٨) حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله (٣٩) قال : رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول :" يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله، وعترتي : أهل بيتي "
تفرد به الترمذي أيضا(٤٠)، وقال : حسن غريب. وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد.
ثم قال الترمذي : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن مَعِين، حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس(٤١) قال : قال رسول الله ﷺ :" أحبوا الله لما يغذوكم(٤٢) من نعمه، وأحبوني(٤٣) بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي "
ثم قال(٤٤) حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه(٤٥).
وقد أوردنا أحاديث أُخَر عند قوله تعالى :{ إِنَّمَ
وقوله :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش : لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات(١) ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.
قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا(٢) عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله تعالى :﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد. فقال ابن عباس : عَجِلْتَ إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. انفرد به البخاري(٣).
ورواه الإمام أحمد، عن يحيى القطان، عن شعبة به. وهكذا روى عامر الشعبي، والضحاك، وعلي بن أبي طلحة، والعَوْفي، ويوسف بن مِهْران وغير واحد، عن ابن عباس، مثله. وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤) حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا حدثنا آدم بن أبي أياس، حدثنا شريك، عن خُصَيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : قال لهم رسول الله ﷺ :" لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تَوَدّوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " (٥).
وروى الإمام أحمد، عن حسن بن موسى : حدثنا قَزَعَة يعني ابن سُوَيد - وابن أبي حاتم - عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قَزَعة بن سويد - عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ؛ أن النبي ﷺ قال :" لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا، إلا أن تُوَادوا الله، وأن تقربوا إليه بطاعته " (٦).
وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري، مثله.
وهذا كأنه تفسير بقول ثان، كأنه يقول :﴿إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي : إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى.
وقول ثالث : وهو ما حكاه البخاري وغيره، رواية عن سعيد بن جبير، ما معناه أنه قال : معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي : تحسنوا إليهم وتبروهم.
وقال السدي، عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة. فقال له علي بن الحسين : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم. قال : أقرأت آل حم ؟ قال : قرأت القرآن، ولم أقرأ آل حم. قال : ما قرأت :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ؟ قال : وإنكم أنتم(٧) هم ؟ قال : نعم.
وقال : أبو إسحاق السَّبِيعيّ : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال : قربى النبي ﷺ. رواهما ابن جرير(٨).
ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا فقال ابن عباس - أو : العباس، شك عبد السلام - : لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال :" يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي ؟ " قالوا : بلى، يا رسول الله. قال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله قال :" أفلا تجيبوني ؟ " قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال :" ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟ أو لم يكذبوك فصدقناك ؟ أو لم يخذلوك فنصرناك " ؟ قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال : فنزلت :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٩).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده مثله، أو قريبا منه.
وفي الصحيحين - في قسم غنائم حنين - قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية. وذكْرُ نزولها في المدينة فيه نظر ؛ لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية الكريمة وبين السياق مناسبة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير(١٠) عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا : يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال :" فاطمة وولدها، عليهم السلام " (١١).
وهذا إسناد (١٢) ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي مُتَخَرّق(١٣)، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل. وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد ؛ فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من(١٤) السنة الثانية من الهجرة.
والحق تفسير الآية بما فسرها به الإمام حَبرُ الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري [ رحمه الله ] (١٥) ولا تنكر الوصاة(١٦) بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين.
و [ قد ثبت ] (١٧) في الصحيح : أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغَدِير خُمّ :" إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض " (١٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث (١٩)، عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها ؟ قال : فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا، وقال :" والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله " (٢٠).
ثم قال أحمد (٢١) حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد المطلب بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تُحدث، فإذا رأونا
سكتوا. فغضب رسول الله ﷺ ودَرّ عِرْق بين عينه(٢٢)، ثم قال :" والله لا يدخل قلب امرئ (٢٣) إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " (٢٤).
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال : سمعتُ أبي يحدّث (٢٥) عن ابن عمر، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، قال : ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته(٢٦).
وفي الصحيح : أن الصديق قال لعلي، رضي الله عنهما : والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي(٢٧) (٢٨).
وقال عمر بن الخطاب للعباس، رضي الله عنهما : والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم ؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب.
فحال الشيخين، رضي الله عنهما، هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ؛ ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين، رضي الله عنهما، وعن سائر الصحابة أجمعين.
وقال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حَيّان التيمي، حدثني يزيد ابن حيان قال : انطلقت أنا وحُسَيْن بن مَيْسَرة، وعمر(٢٩) بن مسلم إلى زيد (٣٠) بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيتَ يا زيد (٣١) خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ، وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت معه. لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ. فقال : يا ابن أخي، والله كَبُرت(٣٢) سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال : قام رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا فينا، بماء يدعى خُمّا - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال :" أما بعد، ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما : كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال :" وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال : أكل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم.
وهكذا رواه مسلم [ في فضائل ] (٣٣) والنسائي من طرق عن يزيد بن حَيّان به(٣٤).
وقال أبو عيسى الترمذي (٣٥) حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد - والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم - قال : قال رسول الله ﷺ " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من (٣٦) السماء إلى الأرض، والآخر عترتي : أهل بيتي، ولن يَتَفَرَّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما "
تفرد بروايته الترمذي(٣٧) ثم قال : هذا حديث حسن غريب.
وقال الترمذي أيضا (٣٨) حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله (٣٩) قال : رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول :" يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله، وعترتي : أهل بيتي "
تفرد به الترمذي أيضا(٤٠)، وقال : حسن غريب. وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد.
ثم قال الترمذي : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن مَعِين، حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس(٤١) قال : قال رسول الله ﷺ :" أحبوا الله لما يغذوكم(٤٢) من نعمه، وأحبوني(٤٣) بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي "
ثم قال(٤٤) حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه(٤٥).
وقد أوردنا أحاديث أُخَر عند قوله تعالى :{ إِنَّمَ
١ - (١) في ت، م، أ: "رسالة"..
٢ - (٢) في ت: "روى البخاري بسنده"..
٣ - (٣) صحيح البخاري برقم (٤٨١٨) والمسند (١/٢٢٩)..
٤ - (٤) في ت: "وروى الطبراني"..
٥ - (١) المعجم الكبير (١١/٤٣٥)..
٦ - (٢) المسند (١/٢٦٨)..
٧ - (٣) في ت، أ: "لأنتم"..
٨ - (٤) تفسير الطبري (٢٥/١٧)..
٩ - (٥) تفسير الطبري (٢٥/١٦)..
١٠ - (١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده"..
١١ - (٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٤٤٤) من طريق حرب الطحان عن حسين الأشقر به..
١٢ - (٣) في أ: "الإسناد"..
١٣ - (٤) في أ: "مخترق"..
١٤ - (٥) في أ: "في"..
١٥ - (٦) زيادة من ت، م، أ..
١٦ - (٧) في ت: "ولا ينكر الوصاية"..
١٧ - (٨) زيادة من ت، أ..
١٨ - (٩) صحيح مسلم برقم (٢٤٠٨) بنحوه من حديث زيد بن الأرقم..
١٩ - (١٠) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
٢٠ - (١١) المسند (١/٢٠٧)..
٢١ - (١٢) في ت: "ثم روى الإمام أحمد"..
٢٢ - (١) في ت، أ: "عينيه"..
٢٣ - (٢) في ت، أ: "امرئ مسلم"..
٢٤ - (٣) المسند (١/٢٠٧)..
٢٥ - (٤) في ت: "وروى البخاري بإسناده"..
٢٦ - (٥) صحيح البخاري برقم (٣٧١٣)..
٢٧ - (٦) في أ: "أحب إلي من أن أصل قرابتي"..
٢٨ - (٧) صحيح البخاري برقم (٣٧١٢)..
٢٩ - (٨) في ت، أ: "وعمرو"..
٣٠ - (٩) في أ: "يزيد"..
٣١ - (١٠) في أ: "يزيد"..
٣٢ - (١١) في ت، أ: "والله لقد كبرت"..
٣٣ - (١٢) زيادة من ت، م، أ..
٣٤ - (١٣) المسند (٤/٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢٤٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٧٥)..
٣٥ - (١) في ت: "وروى الترمذي"..
٣٦ - (٢) في ت: "بين"..
٣٧ - (٣) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٨)..
٣٨ - (٤) في ت: "وروى الترمذي"..
٣٩ - (٥) في ت: "عبد الله رضي الله عنه"..
٤٠ - (٦) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٦)..
٤١ - (٧) قي ت: "وروى الترمذي أيضا عن ابن عباس"..
٤٢ - (٨) في ت: "يغدوكم به"..
٤٣ - (٩) في ت: "فأحبوني"..
٤٤ - (١٠) في ت: "وقال"..
٤٥ - (١١) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٩)..
٢ - (٢) في ت: "روى البخاري بسنده"..
٣ - (٣) صحيح البخاري برقم (٤٨١٨) والمسند (١/٢٢٩)..
٤ - (٤) في ت: "وروى الطبراني"..
٥ - (١) المعجم الكبير (١١/٤٣٥)..
٦ - (٢) المسند (١/٢٦٨)..
٧ - (٣) في ت، أ: "لأنتم"..
٨ - (٤) تفسير الطبري (٢٥/١٧)..
٩ - (٥) تفسير الطبري (٢٥/١٦)..
١٠ - (١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بسنده"..
١١ - (٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٤٤٤) من طريق حرب الطحان عن حسين الأشقر به..
١٢ - (٣) في أ: "الإسناد"..
١٣ - (٤) في أ: "مخترق"..
١٤ - (٥) في أ: "في"..
١٥ - (٦) زيادة من ت، م، أ..
١٦ - (٧) في ت: "ولا ينكر الوصاية"..
١٧ - (٨) زيادة من ت، أ..
١٨ - (٩) صحيح مسلم برقم (٢٤٠٨) بنحوه من حديث زيد بن الأرقم..
١٩ - (١٠) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
٢٠ - (١١) المسند (١/٢٠٧)..
٢١ - (١٢) في ت: "ثم روى الإمام أحمد"..
٢٢ - (١) في ت، أ: "عينيه"..
٢٣ - (٢) في ت، أ: "امرئ مسلم"..
٢٤ - (٣) المسند (١/٢٠٧)..
٢٥ - (٤) في ت: "وروى البخاري بإسناده"..
٢٦ - (٥) صحيح البخاري برقم (٣٧١٣)..
٢٧ - (٦) في أ: "أحب إلي من أن أصل قرابتي"..
٢٨ - (٧) صحيح البخاري برقم (٣٧١٢)..
٢٩ - (٨) في ت، أ: "وعمرو"..
٣٠ - (٩) في أ: "يزيد"..
٣١ - (١٠) في أ: "يزيد"..
٣٢ - (١١) في ت، أ: "والله لقد كبرت"..
٣٣ - (١٢) زيادة من ت، م، أ..
٣٤ - (١٣) المسند (٤/٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٢٤٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨١٧٥)..
٣٥ - (١) في ت: "وروى الترمذي"..
٣٦ - (٢) في ت: "بين"..
٣٧ - (٣) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٨)..
٣٨ - (٤) في ت: "وروى الترمذي"..
٣٩ - (٥) في ت: "عبد الله رضي الله عنه"..
٤٠ - (٦) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٦)..
٤١ - (٧) قي ت: "وروى الترمذي أيضا عن ابن عباس"..
٤٢ - (٨) في ت: "يغدوكم به"..
٤٣ - (٩) في ت: "فأحبوني"..
٤٤ - (١٠) في ت: "وقال"..
٤٥ - (١١) سنن الترمذي برقم (٣٧٨٩)..