زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
﴿الَّذِي يُبَشّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ قال أبو سليمان الدمشقي :" ذلك " بمعنى : هذا الذي أخبرتكم به بشرى يبشر الله بها عباده. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي :" يَبْشُرُ " بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين.
قوله تعالى :﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله ﷺ بمكة، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني : أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة، فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله به، وليس في يده سعة، فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم ففعلوا ثم أتوه به، فنزلت هذه الآية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا.
والثالث : أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض : أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. والهاء في " عليه " كناية عما جاء به من الهدى.
وفي الاستثناء هاهنا قولان :
أحدهما : أنه من الجنس، فعلى هذا يكون سائلا أجرا. وقد أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى. ثم قال : نسخت هذه بقوله :﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ. . .﴾ الآية [سبأ: ٤٧]، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل.
والثاني : أنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرا ؛ وإنما المعنى : لكني أذكركم المودة في القربى، وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس، منهم العوفي، وهذا اختيار المحققين، وهو الصحيح، فلا يتوجه النسخ أصلا.
وفي المراد بالقربى خمسة أقوال :
أحدها : أن معنى الكلام : إلا أن تودّوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد في الأكثرين. . قال ابن عباس : ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة.
والثاني : إلا أن تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جبير، والسدي. ثم في المراد بقرابته قولان : أحدهما : علي وفاطمة وولدها، وقد رووه مرفوعا إلى رسول الله ﷺ. والثاني : أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويُقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
والثالث : أن المعنى : إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من العمل الصالح، قاله الحسن، وقتادة.
والرابع : إلا أن تودوني، كما تودون قرابتكم، قاله ابن زيد.
والخامس : إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، حكاه الماوردي. والأول : أصح.
قوله تعالى :﴿وَمَن يَقْتَرِفْ﴾ أي : من يكتسب ﴿حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ أي : نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري :﴿يزد له﴾ بالياء ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٍ﴾ للقليل حتى يضاعفه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى