اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض. . .﴾ الآية قد تقدم الكلام على دلالة خلق السموات والأرض والحيوانات على وجود الإله الحكيم.
فإن قيل : كيف يجوز إطلاق لفظ الدابَّة على الملائكة ؟ !.
فالجواب : فيه وجوه :
الأول : أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة، وإن كان فاعله واحداً منهم كما يقال :«بَنُو فُلاَنٍ فَعَلُوا كََذَا »، وإنما فعله واحدٌ م نهم ومنه قوله :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾(١) [الرحمن: ٢٢].
الثاني : أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة، والملائكة لهم الروح والحركة.
الثالث : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى خلق في السموات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناس على الأرض. وروى العبَّاس ( رضي الله عنه )(٢) أن رسول الله ﷺ قال :«فوق السماء السابعة بحر ( بين )(٣) أسفله وأعلاه كما بين السماء(٤) والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعاٍل بين رُكَبِهِنَّّ(٥) وأَظلاَفِهِنَّ كما بين السَّمَاءِ والأرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِك العَرْش(٦). . . » الحديث.
قوله :«وَمَا بَثَّ » يجوز أن تكون مجرورة المحل عطفاً على «السموات » أو مرفوعته عطفاً على «خلق »، على حذف مضاف أي وخلق ما بثَّ. قاله أبو حيان(٧). وفيه نظر ؛ لأنه يئول إلى جره بالإضافة «لِخَلق » المقدر(٨) فلا يعدل عنه.
قوله :«إذَا يَشَاءَ » «إذَا » منصوبة «بجَمْعِهِمْ » لا «بِقَدِيرٍ »، قال أبو البقاء : لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى : وهو على جمعهم قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال(٩). قال شهاب الدين : وَلاَ أدري ما وجه كونه محالاً على مذهب أهل السنة، فإن كان يقول بقول المعتزلة، وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده. ونقول : يجوز تعلق الظرف به أيضاً(١٠). قال الزمخشري :«إذا » تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال تعالى :﴿والليل إذا يغشى﴾ ومنه :«إذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ »(١١)، والمقصود أنه تعالى خلقها لا لعجز ولا لمصلحة ولهذا قال :﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾، يعنى الجمع والحشر والمحاسبة(١٢).

فصل


احتج الجبَّائيُّ بقوله : إذا يشاء قدير على أن مشيئة الله تعالى محدثةٌ، قال : لأن كلمة «إذا » ظرف لما ( لم )(١٣) يستقبل من الزمان وكلمة «يَشَاءُ » صيغة المستقبل فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المستقبل فائدة، ولما دل قوله :«إذَا يَشَاءُ » على التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة.
وأجيب : بأن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة فقد دخلتا أيضاً على لفظ «القَدِير » فلزم على هذا أن تكون قدرته صفة محدثة، ولما كان هذا باطلاً فكذا القول في المشيئة(١٤).
١ [الرحمن: ٢٢] وانظر تفسير الإمام العلامة الرازي ٢٧/١٧١..
٢ سقط من ب..
٣ كذلك..
٤ في ابن ماجة: بين سماء إلى سماء..
٥ وفيه: بين أظلافهن وركبهن..
٦ وفيه: فوق ظهورهن العرش، انظر ابن ماجة ١/٦٩ نقلا عن العباس بن عبد المطلب وهو جزء من حديث طويل..
٧ البحر المحيط ٧/٥١٨..
٨ في ب المقدرة..
٩ التبيان ١١٣٣..
١٠ الدر المصون ٤/٧٥٦..
١١ الكشاف ٣/٤٧٠. والآية الأولى من الليل..
١٢ بتوضيح وتكملة من الرازي لكلام الزمخشري ٢٧/١٧١..
١٣ زيادة من أ لا معنى لها، فهو تحريف..
١٤ قاله ونقله الرازي في تفسيره ٢٧/١٧٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى