الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَمَا أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ قرأ جمهور القُرَّاء :( فَبِمَا ) بفاء، وكذلك هي في جُلِّ المصاحف، وقرأ نافع وابن عامر :( بِمَا ) دون فاء، قال أبو علي الفارسيُّ : أصاب من قوله :﴿وَمَا أصابكم﴾ يحتمل أنْ يكون في موضع جَزْمٍ، وتكون ( ما ) شرطيةً، وعلى هذا لا يجوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ حَذْفَهَا أبو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وبعضُ البغداديِّينَ ؛ على أَنَّها مُرَادَةٌ في المعنى، ويحتمل أنْ يكون أصاب صلة لمَا، وتكون ما بمعنى الذي، وعلى هذا يتجه حذفُ الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي : لولا كَسْبُكُمْ ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنَّما هي بكسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أنْ يعرى منه، .
قال ( ع ) : وأَمَّا في هذه الآية، فالتلازم مُطَّرِدٌ مع الثبوت والحذف، وأمَّا معنى الآية، فاختلف الناسُ فيه، فقالت فرقة : هو إخبار من اللَّه تعالى بأَنَّ الرزايا والمصائبَ في الدنيا إِنَّما هي مجازات من اللَّه تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأنَّ اللَّه تعالى يعفو عن كثير، فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي ﷺ :" لاَ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرُ ".
وقال مُرَّةُ الهَمَدَانِيُّ : رأيتُ على ظهر كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً، فقلتُ : ما هذا ؟ فقال : هذا بما كَسَبَتْ يَدَيَّ، ويعفو اللَّه عن كثير.
وقيل لأبي سليمانَ الدَّارَانِيِّ : ما بالُ الفضلاء لا يَلُومُونَ مَنْ أساءَ إليهم ؟ فقال : لأَنَّهُمْ يعلَمُونَ أَنَّ اللَّه تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم، ورَوَى عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ رضي اللَّه عنه عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال :" مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، أوْ بَلاَءٍ في الدُّنْيَا فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ في الآخرة، وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ بَعْدَ عَفْوِهِ ". وقال الحَسَنُ : معنى الآية في الحُدُودِ، أي : ما أصابكم من حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه، فبما كسبَتْ أيديكم، ويعفو اللَّه عن كثير، فيستره على العبد حتى لا يُحَدَّ عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى