اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ قرأ نافعٌ وأبو عمرو «الجواري » بياء في الوصل(١). وأما الوقف فإثباتها على الأصل وحذفها للتخفيف، وهي السفن، وأحدثها جاريةٌ، وهي السائرة في البحر.
فإن قيل : الصفة متى لم تكن خاصةً بموصوفها امتنع حذف الموصوف، لا تقول : مررت بماشٍ ؛ لأن المَشْيَ عامٌّ، وتقول : مررت بمهندس وكاتبٍ، والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك ؟
فالجواب : أن قوله :«في البحر » قرينة دالة على الموصوف، ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح(٢) والأبرق(٣)، فوليت العوامل دون موصوفها(٤). و«في البَحْرِ » متعلق «بالجواري »، إذا لم يجر مجرى الجوامد، فإن جرى مجراه كان حالاً منه(٥)، وكذا قوله :«كالأَعْلاَمِ » وهي الجبال قالت الخَنْسَاءُ :
روي : أن النبي ﷺ استنشد ( ب )(٧) قصيدتها هذه، فلما وصل ( الراوي )(٨) ( إلى )(٩) هذا البيت قال : قَاتَلَهَا اللهُ مَا رَضِيَتْ تَشْبِيهَهُ(١٠) بالجَبَلِ حَتَّى جَعَلتْ في رَأْسِهِ نَاراً(١١).
وقال مجاهد : الأعلام القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد : كل شيءٍ مرتفع عند العرب فهو علم وسمع : هذه الجوار، وركبت الجوار، وفي الجوار، بالإعراب على الراء تناسياً للمحذوف(١٢)، وتقدم هذا في قوله تعالى :﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أمران :
أحدهما : أن يستدل به على وجود الإله القادر الحكيم.
الثاني : أن يعرف ما فيه من النِّعم العظيمة لله تعالى على العباد، وأما وجه الأول فإن هذه السفن العظيمة التي كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الريح على أسرع الوجوه وعند سكون الرياح ( تقف )(١٣) وقد تقدم في سورة النحل أن مُحَرِّك الرياح و مُسَكِّنَها هو الله ( سبحانه و )(١٤) تعالى ؛ إذْ لا يقدر أحد من البشر على تحريكها ولا على تسكينها، وذلك يدل وجود الإله القادر مع أن تلك السفينة في غاية الثقل ومع ثقلها بقيت على وجه الماء أيضاً. وأما دلالتها على النعم العظيمة، وهو ما فيها من المنافع فإنه تعالى خص كل جانب من الأرض بنوع من الأمتعة، فإذا نقل متاع هذا الجانب إلى الجانب الآخر في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة بالتجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفن(١٥).
فإن قيل : الصفة متى لم تكن خاصةً بموصوفها امتنع حذف الموصوف، لا تقول : مررت بماشٍ ؛ لأن المَشْيَ عامٌّ، وتقول : مررت بمهندس وكاتبٍ، والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك ؟
فالجواب : أن قوله :«في البحر » قرينة دالة على الموصوف، ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح(٢) والأبرق(٣)، فوليت العوامل دون موصوفها(٤). و«في البَحْرِ » متعلق «بالجواري »، إذا لم يجر مجرى الجوامد، فإن جرى مجراه كان حالاً منه(٥)، وكذا قوله :«كالأَعْلاَمِ » وهي الجبال قالت الخَنْسَاءُ :
| ٤٣٨٣ وَإِنَّ صَخْراً لتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ | كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نَارُ(٦) |
وقال مجاهد : الأعلام القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد : كل شيءٍ مرتفع عند العرب فهو علم وسمع : هذه الجوار، وركبت الجوار، وفي الجوار، بالإعراب على الراء تناسياً للمحذوف(١٢)، وتقدم هذا في قوله تعالى :﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
فصل
اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أمران :
أحدهما : أن يستدل به على وجود الإله القادر الحكيم.
الثاني : أن يعرف ما فيه من النِّعم العظيمة لله تعالى على العباد، وأما وجه الأول فإن هذه السفن العظيمة التي كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الريح على أسرع الوجوه وعند سكون الرياح ( تقف )(١٣) وقد تقدم في سورة النحل أن مُحَرِّك الرياح و مُسَكِّنَها هو الله ( سبحانه و )(١٤) تعالى ؛ إذْ لا يقدر أحد من البشر على تحريكها ولا على تسكينها، وذلك يدل وجود الإله القادر مع أن تلك السفينة في غاية الثقل ومع ثقلها بقيت على وجه الماء أيضاً. وأما دلالتها على النعم العظيمة، وهو ما فيها من المنافع فإنه تعالى خص كل جانب من الأرض بنوع من الأمتعة، فإذا نقل متاع هذا الجانب إلى الجانب الآخر في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة بالتجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفن(١٥).
١ في النسختين وأما الوقف، وفي ب فإثباتها ووجدت الوصل والوقف في الرازي ٢٧/١٧٤ وفي السبعة غير ذلك. قال ابن مجاهد: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بياء في الوصل. انظر السبعة ٥٨١ والإتحاف ٣٨٣..
٢ هو مسيل الوادي لا نبت فيه..
٣ كل ما فيه سواد وبياض وغلب على الجبل ومن هنا ساغ حذف الموصوف فقد استعملا استعمال الأسماء انظر اللسان بطح وبرق ٢٦٢ و٢٩٩..
٤ الدر المصون ٤/٧٥٧..
٥ انظر التبيان ١١٣٤..
٦ من تمام البسيط في رثاء أخيها صخر، وشاهده: علم ي رأسه فهو بمعنى الجبل مفرقا لأعلام. وانظر الدر المصون ٤/٧٥٧ والجامع للقرطبي ١٦/٣٢، ولسان العرب علم ٣٠٨٤ و٣٠٨٥ وديوانها ٤٩..
٧ الباء زيادة من ب..
٨ زيادة من أ..
٩ زيادة من ب..
١٠ في ب تشبهه..
١١ قاله الألوسي في روح المعاني ٢٥/٤٢..
١٢ من الياء..
١٣ سقطت من ب..
١٤ كذلك..
١٥ الرازي ٢٧/١٧٥..
٢ هو مسيل الوادي لا نبت فيه..
٣ كل ما فيه سواد وبياض وغلب على الجبل ومن هنا ساغ حذف الموصوف فقد استعملا استعمال الأسماء انظر اللسان بطح وبرق ٢٦٢ و٢٩٩..
٤ الدر المصون ٤/٧٥٧..
٥ انظر التبيان ١١٣٤..
٦ من تمام البسيط في رثاء أخيها صخر، وشاهده: علم ي رأسه فهو بمعنى الجبل مفرقا لأعلام. وانظر الدر المصون ٤/٧٥٧ والجامع للقرطبي ١٦/٣٢، ولسان العرب علم ٣٠٨٤ و٣٠٨٥ وديوانها ٤٩..
٧ الباء زيادة من ب..
٨ زيادة من أ..
٩ زيادة من ب..
١٠ في ب تشبهه..
١١ قاله الألوسي في روح المعاني ٢٥/٤٢..
١٢ من الياء..
١٣ سقطت من ب..
١٤ كذلك..
١٥ الرازي ٢٧/١٧٥..