التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿كبائر الإثم﴾ ذكرنا الكبائر في النساء وقيل : كبائر الإثم : هو الشرك، والفواحش : هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.
﴿والذين استجابوا لربهم﴾ قيل : يعني : الأنصار لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية : إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب ثم صفات عثمان بن عفان ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك.
فأما صفات أبي بكر فقوله :﴿الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [النحل: ٩٩]، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن كان جميعهم متصفا بها لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره قال رسول الله ﷺ :" لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم " وقال ﷺ :" أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها " وقال أبو بكر :" لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقينا " والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان.
أما صفات عمر فقوله :﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقد قال ﷺ :" أنا مدينة التقوى وعمر بابها " وقوله :﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ [الشورى: ٣٧]، وقوله :﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية: ١٤] نزلت في عمر.
وأما صفات عثمان فقوله :" والذين استجابوا لربهم " لأن عثمان لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان تبعه وبادر إلى الإسلام وقوله :﴿وأقاموا الصلاة﴾ لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما﴾ [الزمر: ٩] الآية.
وروي أنه كان يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله :﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله ويكفيك أنه جهز جيش العسرة.
وأما صفة علي فقوله :﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى