زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ اختلفوا في هذا البغي على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه بغي الكفار على المسلمين. قال عطاء : هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم فانتصروا. وقال زيد بن اسلم : كان أصحاب رسول الله ﷺ فرقتين بمكة، فرقة كانت تؤذي فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تُؤذى فتنتصر، فأثنى الله عز وجل عليهم جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، وقال في المنتصرين : و﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أي : من المشركين. وقال ابن زيد : ذكر المهاجرين، وكانوا صنفين، صنفا عفا، وصنفا انتصر، فقال :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فبدأ بهم، وقال في المنتصرين :﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أي : من المشركين ؛ وقال ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ﴾ إلى قوله ﴿يُنفِقُونَ﴾ وهم الأنصار : ثم ذكر الصنف الثالث فقال :﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ من المشركين.
والثاني : أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة.
والثالث : أنه عام في جميع البُغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين.
فصل : واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل على أنها منسوخة. وللقائلين بأنها في المسلمين قولان :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله :﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] فكأنها نبهت على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، فبان وجه النسخ.
والثاني : أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح، فعلى هذا تكون محكمة، وهو الأصح.
فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية -وظاهرها مدح المنتصر- وبين آيات الحث على العفو ؟ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة الجهاد، كما ذكرنا عن عطاء.
والثاني : أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ومن لم يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه. قال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفو، فبدأ بذكره، وصنف ينتصر.
والثالث : أنه إذا بغي على المؤمن فاسق، فلأن له اجتراء الفساق عليه، وليس للمؤمن أن يُذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين. قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا. وقال القاضي أبو يعلى : هذه الآية محمولة على من تعدّى وأصرّ على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما.
أحدها : أنه بغي الكفار على المسلمين. قال عطاء : هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله منهم فانتصروا. وقال زيد بن اسلم : كان أصحاب رسول الله ﷺ فرقتين بمكة، فرقة كانت تؤذي فتعفو عن المشركين، وفرقة كانت تُؤذى فتنتصر، فأثنى الله عز وجل عليهم جميعا، فقال في الذين لم ينتصروا :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، وقال في المنتصرين : و﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أي : من المشركين. وقال ابن زيد : ذكر المهاجرين، وكانوا صنفين، صنفا عفا، وصنفا انتصر، فقال :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فبدأ بهم، وقال في المنتصرين :﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أي : من المشركين ؛ وقال ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ﴾ إلى قوله ﴿يُنفِقُونَ﴾ وهم الأنصار : ثم ذكر الصنف الثالث فقال :﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ من المشركين.
والثاني : أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة.
والثالث : أنه عام في جميع البُغاة، سواء كانوا مسلمين أو كافرين.
فصل : واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ، فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال، دل على أنها منسوخة. وللقائلين بأنها في المسلمين قولان :
أحدهما : أنها منسوخة بقوله :﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] فكأنها نبهت على مدح المنتصر، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح، فبان وجه النسخ.
والثاني : أنها محكمة، لأن الصبر والغفران فضيلة، والانتصار مباح، فعلى هذا تكون محكمة، وهو الأصح.
فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية -وظاهرها مدح المنتصر- وبين آيات الحث على العفو ؟ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه انتصار المسلمين من الكافرين، وتلك رتبة الجهاد، كما ذكرنا عن عطاء.
والثاني : أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له، وإن كان العفو أفضل، ومن لم يخرج من الشرع بفعله، حسن مدحه. قال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين، صنف يعفو، فبدأ بذكره، وصنف ينتصر.
والثالث : أنه إذا بغي على المؤمن فاسق، فلأن له اجتراء الفساق عليه، وليس للمؤمن أن يُذل نفسه، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين. قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا. وقال القاضي أبو يعلى : هذه الآية محمولة على من تعدّى وأصرّ على ذلك، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما.