التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٩:ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ، وعن نفاذ مشيئته وحكمته، وعن فضله على نبيه - ﷺ - حيث أوحى إليه بما أوحى، من هدايات للناس. فقال - تعالى - :﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض... إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾.
وقوله - تعالى - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ..﴾ بيان لكمال قدرته - سبحانه -، ولنفاذ مشيئته. والملك - بضم الميم - الاستيلاء على الشئ والتمكن من التصرف فيه.
أى : لله - تعالى - وحده ملك جميع ما فى السماوات والأرض، وليس لأحد معه شئ لا اشتراكا ولا استقلالا، وهو - سبحانه - " يخلق ما يشاء " أن يخلقه، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه، أو اختيار لشئ معين..
ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه القدرة التامة، والإِرادة النافذة فقال :﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل، أو بدل بعض من كل. وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهن،
وإما أن يهب لبعضهم الإِناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات.
وإما أن يجعل بعضهم عقيما، أى : لا ذرية له، ذكرا كان أو أنثى. يقال رجل عقيم وامرأة عقيم، إذا كانا لا ذرية لهما.
وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة فى حياة الناس، فمنهم من معه الإِناث فقط، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإِناث ومنهم من ليس معه منهما شئ وهذا كله يدل على كمال قدرته - سبحانه -، وعلى نفاذ إرادته وحكمته، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها، لاراد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشييئته وحده، وهو - سبحانه - يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ؛ ليس لأحد مدخل فى اختيار نوع معين من الذرية، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شئ منها، إذا أراد الله منعه من ذلك.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه :" فإن قلت : لم قدم الإِناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن، ثمرجع فقدمهم ؟ ولم عرف الذكور بعدما نكر الإِناث ".
قلت : قدم الإِناث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء، لا ما يشاءه الإِنسان، فكان ذكر الإِناث اللاتى من جملة ما لا يشاؤه الإِنسان أهم، والأهم واجب التقديم..
وأخر - سبحانه - الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، فكأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال :﴿ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾.
وقوله - تعالى - ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته. أى : إنه - سبحانه - واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم، قدير على كل شئ، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار، لا مكره له ولا معقب لحكمه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى