الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :/ ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ :" أَنْ " ومنصوبُها اسمُ كان وليس " خبرَ " " ما ". وقال أبو البقاء :" أَنْ والفعلُ في موضع رفعٍ على الابتداءِ وما قبلَه الخبرُ، أو فاعلٌ بالجارِّ لاعتمادِه على حرفِ النفي " وكأنه [ وَهِمَ في التلاوةِ، فزعَم أنَّ القرآنَ : وما لبشَرٍ أَنْ يُكَلِّمه ] مع أنَّه يمكنُ الجوابُ عنه بتكلُّفٍ. و " إلاَّ وَحْياً " يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً أي : إلاَّ كلامَ وَحْيٍ. وقال أبو البقاء :" استثناءٌ منقطعٌ ؛ لأنَّ الوَحْيَ ليس من جنس الكلام " وفيه نظرٌ لأنَّ ظاهرَه أنه مُفرَّغٌ، والمفرَّغُ لا يُوْصَفُ بذلك. ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً في موضعِ الحال.
قوله :" أو يُرْسِل " قرأ نافعٌ " يُرْسِلُ " برفع اللامِ، وكذلك " فيوحِيْ " فسَكَنَتْ ياؤُه. والباقون بنصبهما. فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجهٍ، أحدها : أنَّه رفعٌ على إضمارِ مبتدأ أي : أو هو يُرْسِلُ. الثاني : أنه عطفٌ على " وَحْياً " على أنَّه حالٌ ؛ لأنَّ وَحْياً في تقديرِ الحال أيضاً، فكأنه قال : إلاَّ مُوْحِياً أو مرسِلاً. الثالث : أَنْ يُعْطَفَ على ما يتعلَّقُ به " من وراءه "، إذ تقديرُه : أو يُسْمِعُ مِنْ وراءِ حجاب، و " وَحْياً " في موضعِ الحال، عُطِف عليه ذلك المقدَّرُ المعطوفُ عليه " أَوْ يُرْسِلُ ". والتقدير : إلاَّ مُوْحِياً أو مُسْمِعاً مِنْ وراءِ حجابٍ، أو مُرْسِلاً.
وأمَّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أَنْ يُعْطَفَ على المضمرِ الذي يتعلَّقُ به ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ إذ تقديرُه : أو يُكَلِّمه مِنْ وراءِ حجابٍ. وهذا الفعلُ المقدَّر معطوفٌ على " وَحْياً " والمعنى : إلاَّ بوَحْي أو إسماعٍ مِنْ وراءِ حجاب أو إرسالِ رسولٍ. ولا يجوزُ أَنْ يُعَطفَ على " يكلِّمَه " لفسادِ المعنى. قلت : إذ يَصيرُ التقديرُ : وما كان لبشَرٍ أن يُرْسِلَ اللَّهُ رسولاً، فَيَفْسُدُ لَفْظاً ومعنى. وقال مكي :" لأنَّه يَلْزَم منه نَفْيُ الرسلِ ونفيُ المُرْسَلِ إليهم ".
الثاني : أَنْ يُنْصَبَ ب " أنْ " مضمرةً، وتكونَ هي وما نَصَبَتْه معطوفَيْن على " وَحْياً " و " وَحْياً " حالٌ، فيكونَ هنا أيضاً [ حالاً : والتقدير : إلاَّ مُوْحِياً أو مُرْسِلاً ]. وقال الزمخشري :" وَحْياً وأَنْ يُرْسِلَ مصدران واقعان موقعَ الحال ؛ لأنَّ أَنْ يُرْسِلَ في معنى إرسالاً. و ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ ظرفٌ واقعٌ موقعَ الحالِ أيضاً، كقوله :﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. والتقدير : وما صَحَّ أَنْ يُكَلَّم أحداً إلاَّ مُوْحياً أو مُسْمِعاً مِنْ وراءِ حجاب أو مُرسِلاً ". وقد رَدَّ عليه الشيخُ : بأنَّ وقوعَ المصدرِ موقعَ الحالِ غيرُ منقاسٍ، وإنما قاسَ منه المبردُ ما كان نوعاً للفعلِ فيجوزُ :" أتيتُه رَكْضاً " ويمنعُ " أَتَيْتُه بكاءً " أي : باكياً.
وبأنَّ " أَنْ يُرْسِلَ " لا يقعُ حالاً لنصِّ سيبويه على أنَّ " أَنْ " والفعلَ لا يَقَعُ حالاً، وإن كان المصدرُ الصريحُ يقع حالاً تقولُ :" جاء زيد ضَحِكاً "، ولا يجوز " جاء أَنْ يضحكَ ".
الثالث : أنَّه عطفٌ على معنى " وَحْياً " فإنَّه مصدرٌ مقدَّرٌ ب " أنْ " والفعلِ. والتقديرُ : إلاَّ بأَنْ يوحيَ إليه أو بأَنْ يُرْسِلَ، ذكره مكي وأبو البقاء.
وقوله :﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ العامَّةُ على الإِفراد. وابنُ أبي عبلةَ " حُجُبٍ " جمعاً. وهذا الجارُّ يتعلَّقُ بمحذوفٍ تقديرُه : أو يُكَلِّمَه مِنْ وراء حجاب. وقد تقدَّم أن هذا الفعلَ معطوفٌ على معنى وَحْياً أي : إلاَّ أَنْ يوحيَ أو يكلِّمَه. قال أبو البقاء :" ولا يجوزُ أَنْ تتعلَّق " مِنْ " ب " يُكَلِّمَه " الموجودةِ في اللفظِ ؛ لأنَّ ما قبل الاستثناءِ لا يعملُ فيما بعد إلاَّ "، ثم قال :" وقيل :" مِنْ " متعلِّقةٌ ب " يُكلِّمه " لأنه ظرفٌ، والظرفُ يُتَّسَعُ فيه ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى