تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
عطف على ما سبق من حكاية ترّهاتهم عطفَ القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شُبَه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى :﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ [الشورى: ٣]، وقوله تعالى :﴿كَبُر على المشركين ما تدعُوهم إليه﴾ [الشورى: ١٣]، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم، ويزيده وضوحاً قوله عقبه ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحياً من الله إلى محمد ﷺ إذ زعموا أن محمداً ﷺ لو كان مرسلاً من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى :﴿وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً﴾ [الفرقان: ٧] وقال ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ إلى أن قال :﴿ولن نؤمن لِرُقيّكَ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه﴾ [ الإسراء : ٩٠ ٩٣ ].
وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد ﷺ كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل ردّ العجز على الصدر. فبيَّن الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعاً مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي ﷺ فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ أي لم يتهيّأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة.
ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول، بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلاّ بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلاّ بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله :﴿أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ فإن الرسول يكون مَلَكاً وهو الذي يبلّغ الوحي إلى الرسُل والأنبياء.
وخطاب الله الرسل والأنبياءَ قد يكون لقصد إبلاغهم أمراً يصلحهم نحو قوله تعالى :﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾ [المزمل: ١، ٢]، وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان.
والاستثناء في قوله :﴿إلا وحياً﴾ استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دلّ عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله﴾.
فانتصاب ﴿وحياً﴾ على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء، والتقدير : إلا كلاماً وحياً أي موحًى به كما تقول : لا أكلمه إلاّ جهراً، أو إلا إخفاتاً، لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام.
والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يَرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه المَلَكُ عن الله تعالى، أو بعلم يُلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه.
وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضُه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم، فإطلاق فعل ﴿يكلمه﴾ على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه.
وإسناد فعل ﴿يكلمه﴾ إلى الله إسناد مجازي عقلي. وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلاً.
وأصل الوحي : الإشارة الخفيّة، ومنه ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشياً﴾ [مريم: ١١]. ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص :
وأوحى إليَّ الله أنْ قد تآمَرُوابِإبْلِ أبي أوْفَى فقُمْتُ على رِجْلِ
وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين. ومِن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله :﴿وأوحى ربُّك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨]. فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت « فعَلمْتُ أنه يُوحَى إليه ثم سُرِّي عنه » فقرأ ﴿غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥]، ولم يقل فنزل إليه جبريل.
والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله :﴿أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾. والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروري، وحجة للأمة لمكان العِصمة من وسوسة الشيطان، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي ﷺ " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمرُ بن الخطاب " قال ابن وهب : محدَّثون : مُلْهَمُون.
ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي، وهي ليست بكلام يلقَى إليهم، ففي الحديث " إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرّة ذاتِ نخل فوقع في وَهْلِي أنها اليمامة أو هَجر فإذا هي طابة ".
وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث " رأيتُ بَقَراً تُذبح ورأيتُ والله خير " في رواية رفع اسم الجلالة، أي رأيت هذه الكلمة، وقد أول النبي ﷺ رؤياه البقرَ التي تذبح بما أصاب المسلمين يومَ أحد، وأمّا « والله خير » فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير.
ومن الإلهام مَرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوءة.
وليس الإلهام بحجة في الدّين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوماً من وسوسة الشيطان. وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصّتهم ويدَّعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على « المفتاح » " إني قد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوَهَم من الأوهام " إلى أن قال " ما أورثني التجافي عن دار الغرور ". ومنه ما ورد في قول النبي ﷺ " إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفساً لن تموت حتّى تستوفيَ أجلها ورزقَها " على أحد تفسيرين فيه، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جَرَتْ على غير الألفاظ التي يُحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام.
والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاماً في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله :﴿أو من وراء حجاب﴾.
والمعنى : أو محجوباً المخاطَب بالفتح عن رؤية مصدر الكلام، فالكلام كأنه من وراء حجاب، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاهُ حيّة ثم عَوْدِها إلى حالتها الأولى، وبخروج يده من جَيْبه بيضاء، كما قال تعالى :﴿آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهَبْ إلى فرعون إنه طغى﴾ [طه: ٢٢، ٢٤]. ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله.
واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى :﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وليس الوحي إلى موسى منحصراً في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد ﷺ ليلة الإسراء، فقد جاء في حديث الإسراء : أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى :« أتممتُ فريضتي وخففت عن عبادي ».
وأشارت إليه سورة النجم ( ٦، ١٢ ) بقوله تعالى :﴿فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفَتُمَارونه على ما يَرى﴾ والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي، وهو الظاهر لأن فضل محمد على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعاً.
النوع الثالث : أن يرسل الله الملَك إلى النبي فيبلغ إليه كلاماً يسمعه النبي ويعيه، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى، قال تعالى في ذكر زكرياء ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلِّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقال في إبراهيم ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي ﷺ للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله « كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجَرَس وهو أشدُّه عليّ فيفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيت عنه أي عن جبريل ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول ».
فالرسول في قوله تعالى :﴿أو يرسل رسولاً﴾ : هو الملَك جبريل أو غيره، وقوله :﴿فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ سمّى هذا الكلام وحياً على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله :﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحَى عَلَّمه شديدُ القُوَى﴾ [ النجم : ٣ ٥ ] وهو غير المراد من قوله :﴿إلا وحياً﴾ بقرينة التقسيم والمقابلة.
ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولاً في قوله :﴿إلا وحياً﴾ وجيء بما يشبه الجملة ثانياً وهو قوله :﴿من وراء الحجاب﴾، وجيء بالجملة الفعلية ثالثاً بقوله :﴿يرسل رسولاً﴾. وقرأ نافع ﴿أو يرسلُ﴾ برفع ﴿يرسلُ﴾ على الخبرية، والتقدير : أو هو مرسل رسولاً. وقرأ ﴿فيوحي﴾ بسكون الياء بعد كسرة الحاء. وقرأ الباقون ﴿أو يرسل﴾ بنصب الفعل على تقدير ( أنْ ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر، فاحتاج إلى تقدير حرف السبك. وقرأوا ﴿فيوحي﴾ بفتحة على الياء عطفاً على ﴿يرسل﴾.
ومَا صْدَقُ ﴿ما يشاء﴾ كلام، أي فيوحي كلاماً يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة ل ( كلاماً ) المستثنى المحذوف، والرابط هو ﴿ما يشاء﴾ لأنه في معنى : كلاماً، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو ﴿الحاقة ما الحاقّة﴾ [الحاقة: ١، ٢]. والتقدير : أوْ إلاَّ كلاماً موصوفاً بأن الله يرسل رسولاً فيوحي بإذنه كلاماً يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية.
والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده. وذكرُ النوعي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى