مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صح لأحد من البشر ﴿أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً﴾ أي إلهاماً كما روي «نفث في روعي » أو رؤيا في المنام كقوله عليه السلام " رؤيا الأنبياء وحي " وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ﴾ حِجَابٍ أي يسمع كلاماً من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه. وليس المراد به حجاب الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحجاب ولكن المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ أي يرسل ملكاً ﴿فَيُوحِىَ﴾ أي الملك إليه. وقيل : وحياً كما أوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ أي نبياً كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم. و ﴿وَحْياً﴾ و ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ مصدران واقعان موقع الحال لأن ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ في معنى إرسالاً و ﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ ظرف واقع موقع الحال كقوله ﴿وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. والتقدير : وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. ويجوز أن يكون المعنى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً وهو اختيار الخليل، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ﴾ بالرفع : نافع على تقدير أو هو يرسل ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إذن الله ﴿مَا يَشَآءُ﴾ من الوحي ﴿إِنَّهُ عَلِىٌّ﴾ قاهر فلا يمانع ﴿حَكِيمٌ﴾ مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى