المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو، فبين الله أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله إلا بأن يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد، والنفث في القلب(١). وقال النقاش : أو وحي في منام ؟ قال إبراهيم النخعي : كان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام، وهذا معنى :﴿من وراء حجاب﴾ أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله تعالى. وقرأ جمهور القراء والناس :«أو يرسلَ » بالنصب «فيوحيَ » بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة :«أو يرسلُ » بالرفع «فيوحيَ » بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة :«أو يرسلُ » بالرفع «فيوحي » بسكون الياء ورفع الفعل. فأما القراءة الأولى فقال سيبويه : سألت الخليل عنها فقال : هي محمولة على ﴿أن﴾ غير التي في قوله :﴿أن يكلمه الله﴾ لأن المعنى كان يفسد لو عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله :﴿وحياً﴾ إلا أن يوحي وحياً.
وقوله :﴿من وراء حجاب﴾، ﴿من﴾ متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره : أو يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف :«أو يرسل » على هذا الفعل المقدر.
وأما القراءة الثانية فعلى أن «يرسل » في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال : أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله :﴿إلا وحياً﴾ مصدر في موضع الحال، كما تقول : أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله :﴿من وراء حجاب﴾ في موضع الحال كما هو قوله :﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين﴾(٢) في موضع الحال، فكذلك ﴿من﴾ [آل عمران: ٤٦] وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم عطف قوله :«أو يرسلَ » على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه(٣).
وقوله :﴿من وراء حجاب﴾، ﴿من﴾ متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره : أو يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف :«أو يرسل » على هذا الفعل المقدر.
وأما القراءة الثانية فعلى أن «يرسل » في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال : أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله :﴿إلا وحياً﴾ مصدر في موضع الحال، كما تقول : أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله :﴿من وراء حجاب﴾ في موضع الحال كما هو قوله :﴿ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين﴾(٢) في موضع الحال، فكذلك ﴿من﴾ [آل عمران: ٤٦] وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم عطف قوله :«أو يرسلَ » على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه(٣).
١ كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها واجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، رواه ابن حبان..
٢ الآية (٤٦) من سورة (آل عمران)..
٣ إنما كان حانثا لأن الله تعالى سمى المرسل في الآية: مكلما للمرسل إليه، أما إذا نوى عند الحلف المشافهة فإنه لا يحنث..
٢ الآية (٤٦) من سورة (آل عمران)..
٣ إنما كان حانثا لأن الله تعالى سمى المرسل في الآية: مكلما للمرسل إليه، أما إذا نوى عند الحلف المشافهة فإنه لا يحنث..