التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول - ﷺ - كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته، ووجوب إفراده بالعبادة والخضوع. ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الاختلاف والتنازع. فقال - تعالى - :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً... بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
والكاف فى قوله - تعالى - :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً..﴾ فى محل نصب على المصدرية، واسم الإِشارة يعود إلى مصدر ﴿أَوْحَيْنَآ﴾.
أى : ومثل ذلك الإِيحاء البديع الواضح، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - قرآنا عربيا، لا لبس فيه ولا غموض.
وقوله - سبحانه - ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ تعليل لهذا الإِحياء. والمراد بأم القرى : أهلها.
وسميت مكة بأم القرى، لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل، أى : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى، ولتنذر به - أيضا - من حولها من أهل القرى الأخرى.
وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر فى الإِنذار، لأنهم أقرب الناس - إليه ﷺ - كما قال - تعالى - فى آية أخرى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته - ﷺ - كانت إليهم وحدهم، لأن هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته - ﷺ - كانت إلى الناس كافة، ومن هذه الآيات : وقوله - تعالى - :﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقوله - سبحانه - :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وقوله - عز وجل - :﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾.
فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته - ﷺ - كانت للناس جميعا، بل للإِنس وللجن، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - :﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ وجملة ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ معطوفة على ما قبلها. والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة، لأنه اليوم الذى يجتمع يه الأولون والآخرون بين يدى الله - تعالى - للحساب والجزاء، والثواب والعقاب.
أى : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حلوها، وتنذر الناس جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة، الذى يجتمع فيه الخلائق للحساب.
وقوله ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده، أو صلة ليوم الجمع.
وقوله :﴿فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير﴾ بيان للنتيجة التى ترتبت على هذا الإِنذار.
أى : بعد هذا الإِنذار الذى أنذرته للناس - أيها الرسول الكريم - هناك فريق آمن بك وصدقك فكان مصيره إلى الجنة، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك، فكان مصيره إلى النار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى