تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
اختلُف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل : نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها، فنزل قوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية.
قال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس : أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرَّمها، فأنزل الله، عز وجل :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى آخر الآية(١).
وقال ابن جرير : حدثني ابن عبد الرحيم البرقي(٢) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم : أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت : أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي ؟ ! فجعلها عليه حرامًا فقالت : أيْ رسول الله، كيف يَحْرُم عليك الحلال ؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ قال زيد : بن أسلم فقوله : أنت عليَّ حرام لغو(٣).
وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه.
وقال ابن جرير أيضًا حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال : قل لها :" أنت عليَّ حرام، ووالله لا أطؤك ".
وقال سفيان الثوري وابن عُلَيَّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال : آلى رسول الله ﷺ وحرم، فعُوتِبَ في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروى العوفي، عن ابن عباس القصة مطولة.
وقال ابن جرير : حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : من المرأتان ؟ قال : عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها(٤) فَوَجَدت حفصة، فقالت : يا نبي الله، لقد جئت إليَّ شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال :" ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ؟ ". قالت : بلى. فحَرَّمها وقال :" لا تذكري ذلك لأحد ". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيات(٥) فبلغنا أن رسول الله ﷺ كفَّر [ عن ](٦) يمينه، وأصاب جاريته (٧).
وقال الهيثم بن كُلَيب في مسنده : حدثنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال : قال النبي ﷺ لحفصة :" لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام ". فقالت : أتحرم ما أحل الله لك ؟ قال :" فوالله لا أقربها ". قال : فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال فأنزل الله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج(٨).
وقال ابن جرير : أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدَّسْتُوَائي قال : كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير : أن ابن عباس كان يقول في الحرام : يمين تكفرها، وقال ابن عباس :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يعني : أن رسول الله ﷺ حرم جاريته فقال الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى قوله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا (٩).
ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة، عن هشام - هو الدستوائي - عن يحيى - هو ابن كثير - عن ابن حكيم - وهو يعلى - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام : يمين تُكَفر. وقال ابن عباس :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١](١٠).
ورواه مسلم من حديث هشام الدَّسْتُوَائي به(١١).
وقال النسائي : أنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مَخْلد - هو ابن يزيد - حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي عَلَيَّ حَرَاما ؟ قال : كذبتَ ليس عليك بحرام. ثم تلا هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ عليك أغلظ الكفارات، عتق رقبة.
تفرد به النسائي من هذا الوجه، بهذا اللفظ(١٢).
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن زكَريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ قال : حرم رسول الله ﷺ سُرَيَّته(١٣).
ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حَرَّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبو عبد الله الظهراني(١٤) أخبرنا حفص بن عمر العَدَني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ.
وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العَسَل، كما قال البخاري عند هذه الآية :
حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن عبيد(١٥) بن عمير، عن عائشة قالت : كان النبي ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جَحش، ويمكث عندها، فتواطأتُ أنا وحفصةُ على : أيتُنا دخلَ عليها، فلتقل له : أكلتَ مَغَافير ؟ إني أجد منك ريح مغافير. قال :" لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جَحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا "، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾(١٦).
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب " الأيمان والنذور " : حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عُبَيد بن عمير يقول : سمعتُ عائشة تزعم أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلا فتواصيتُ أنا وحفصة أن أيتُنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتَقُلْ : إني أجد منك ريح مغافير ؛ أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال :" لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جَحش، ولن أعود له ". فنزلت :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى :﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله :" بل شربت عسلا ". وقال إبراهيم بن موسى، عن هشام :" ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدًا " (١٧).
وهكذا رواه في كتاب " الطلاق " بهذا الإسناد، ولفظه قريب منه(١٨). ثم قال : المغافير : شبيه بالصمغ، يكون في الرّمث فيه حلاوة، أغفر الرّمث : إذا ظهر فيه. واحدها مغفور، ويقال : مغافير. وهكذا قال الجوهري، قال : وقد يكون المغفور أيضًا للعُشر والثُّمام والسَّلَم والطلح. قال : والرّمث، بالكسر : مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحَمْض. قال : والعرفط : شجر من العضاه ينضَح المغفُور [ منه ](١٩).
وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب " الطلاق " من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة(٢٠)، به، ولفظه كما أورده البخاري في " الأيمان والنذور ".
ثم قال البخاري في كتاب " الطلاق " : حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مُسْهَر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت : أما والله لنحتالَن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَةَ : إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي : أكلت مغَافير ؟ فإنه سيقول ذلك(٢١) لا. فقولي له : ما هذه الريح التي أجد ؟ فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل. فقولي : جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك، قالت - تقول سودة - : والله(٢٢) ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله، أكلت مغافير ؟ قال :" لا ". قالت : فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال :" سقتني حفصة شَربة عسل ". قالت : جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلما دار إليَّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له : يا رسول الله، ألا أسقيك منه ؟ قال :" لا حاجةَ لي فيه ". قالت - تقول سودة - : والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها : اسكتي(٢٣).
هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم عن سُوَيد بن سَعيد، عن علي بن مُسْهِر، به. وعن أبي كُرَيْب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة، حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به(٢٤) وعنده قالت : وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني : الريح الخبيثة ؛ ولهذا قلن له : أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء. فلما قال :" بل شربت عسلا ". قلن : جَرَسَت نحلُه العرفطَ، أي : رَعَت نحلُه شَجَر العرفط الذي صَمغُه المغافير ؛ فلهذا ظهر ريحُه في العسل الذي شربته.
قال الجوهري : جَرَسَت نحلُه العرفط تَجْرِس : إذا أكلته، ومنه قيل للنحل : جوارس، قال الشاعر :
تَظَلّ عَلَى الثَّمْرَاء مِنها جَوَارسُ. . .
وقال : الجَرْس والجِرْس : الصوت الخفي. ويقال : سمعت جرس الطير : إذا سمعتَ صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث :" فيسمعون جَرْس طير الجنة ". قال الأصمعي : كنت في مجلس شُعبة قال :" فيسمعون جَرْشَ طير الجنة " بالشين [ المعجمة ](٢٥) فقلت :" جرس " ؟ ! فنظر إلي فقال : خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا(٢٦).
والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عن عائشة. وفي طريق ابن جريج عن عطاء،
قال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس : أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرَّمها، فأنزل الله، عز وجل :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى آخر الآية(١).
وقال ابن جرير : حدثني ابن عبد الرحيم البرقي(٢) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم : أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت : أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي ؟ ! فجعلها عليه حرامًا فقالت : أيْ رسول الله، كيف يَحْرُم عليك الحلال ؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ قال زيد : بن أسلم فقوله : أنت عليَّ حرام لغو(٣).
وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه.
وقال ابن جرير أيضًا حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال : قل لها :" أنت عليَّ حرام، ووالله لا أطؤك ".
وقال سفيان الثوري وابن عُلَيَّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال : آلى رسول الله ﷺ وحرم، فعُوتِبَ في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروى العوفي، عن ابن عباس القصة مطولة.
وقال ابن جرير : حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : من المرأتان ؟ قال : عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها(٤) فَوَجَدت حفصة، فقالت : يا نبي الله، لقد جئت إليَّ شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال :" ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها ؟ ". قالت : بلى. فحَرَّمها وقال :" لا تذكري ذلك لأحد ". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيات(٥) فبلغنا أن رسول الله ﷺ كفَّر [ عن ](٦) يمينه، وأصاب جاريته (٧).
وقال الهيثم بن كُلَيب في مسنده : حدثنا أبو قِلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال : قال النبي ﷺ لحفصة :" لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام ". فقالت : أتحرم ما أحل الله لك ؟ قال :" فوالله لا أقربها ". قال : فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال فأنزل الله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج(٨).
وقال ابن جرير : أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدَّسْتُوَائي قال : كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير : أن ابن عباس كان يقول في الحرام : يمين تكفرها، وقال ابن عباس :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] يعني : أن رسول الله ﷺ حرم جاريته فقال الله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى قوله :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا (٩).
ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة، عن هشام - هو الدستوائي - عن يحيى - هو ابن كثير - عن ابن حكيم - وهو يعلى - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام : يمين تُكَفر. وقال ابن عباس :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١](١٠).
ورواه مسلم من حديث هشام الدَّسْتُوَائي به(١١).
وقال النسائي : أنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مَخْلد - هو ابن يزيد - حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي عَلَيَّ حَرَاما ؟ قال : كذبتَ ليس عليك بحرام. ثم تلا هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ عليك أغلظ الكفارات، عتق رقبة.
تفرد به النسائي من هذا الوجه، بهذا اللفظ(١٢).
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن زكَريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ قال : حرم رسول الله ﷺ سُرَيَّته(١٣).
ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حَرَّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبو عبد الله الظهراني(١٤) أخبرنا حفص بن عمر العَدَني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ.
وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العَسَل، كما قال البخاري عند هذه الآية :
حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن عبيد(١٥) بن عمير، عن عائشة قالت : كان النبي ﷺ يشرب عسلا عند زينب بنت جَحش، ويمكث عندها، فتواطأتُ أنا وحفصةُ على : أيتُنا دخلَ عليها، فلتقل له : أكلتَ مَغَافير ؟ إني أجد منك ريح مغافير. قال :" لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جَحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا "، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾(١٦).
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب " الأيمان والنذور " : حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عُبَيد بن عمير يقول : سمعتُ عائشة تزعم أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلا فتواصيتُ أنا وحفصة أن أيتُنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتَقُلْ : إني أجد منك ريح مغافير ؛ أكلت مغافير ؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال :" لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جَحش، ولن أعود له ". فنزلت :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؟ إلى :﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله :" بل شربت عسلا ". وقال إبراهيم بن موسى، عن هشام :" ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدًا " (١٧).
وهكذا رواه في كتاب " الطلاق " بهذا الإسناد، ولفظه قريب منه(١٨). ثم قال : المغافير : شبيه بالصمغ، يكون في الرّمث فيه حلاوة، أغفر الرّمث : إذا ظهر فيه. واحدها مغفور، ويقال : مغافير. وهكذا قال الجوهري، قال : وقد يكون المغفور أيضًا للعُشر والثُّمام والسَّلَم والطلح. قال : والرّمث، بالكسر : مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحَمْض. قال : والعرفط : شجر من العضاه ينضَح المغفُور [ منه ](١٩).
وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب " الطلاق " من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة(٢٠)، به، ولفظه كما أورده البخاري في " الأيمان والنذور ".
ثم قال البخاري في كتاب " الطلاق " : حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مُسْهَر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت : أما والله لنحتالَن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَةَ : إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي : أكلت مغَافير ؟ فإنه سيقول ذلك(٢١) لا. فقولي له : ما هذه الريح التي أجد ؟ فإنه سيقول لك : سقتني حفصة شربة عسل. فقولي : جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك، قالت - تقول سودة - : والله(٢٢) ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة : يا رسول الله، أكلت مغافير ؟ قال :" لا ". قالت : فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال :" سقتني حفصة شَربة عسل ". قالت : جَرَسَت نَحلُه العرفطَ. فلما دار إليَّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له : يا رسول الله، ألا أسقيك منه ؟ قال :" لا حاجةَ لي فيه ". قالت - تقول سودة - : والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها : اسكتي(٢٣).
هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم عن سُوَيد بن سَعيد، عن علي بن مُسْهِر، به. وعن أبي كُرَيْب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة، حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به(٢٤) وعنده قالت : وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني : الريح الخبيثة ؛ ولهذا قلن له : أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء. فلما قال :" بل شربت عسلا ". قلن : جَرَسَت نحلُه العرفطَ، أي : رَعَت نحلُه شَجَر العرفط الذي صَمغُه المغافير ؛ فلهذا ظهر ريحُه في العسل الذي شربته.
قال الجوهري : جَرَسَت نحلُه العرفط تَجْرِس : إذا أكلته، ومنه قيل للنحل : جوارس، قال الشاعر :
تَظَلّ عَلَى الثَّمْرَاء مِنها جَوَارسُ. . .
وقال : الجَرْس والجِرْس : الصوت الخفي. ويقال : سمعت جرس الطير : إذا سمعتَ صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث :" فيسمعون جَرْس طير الجنة ". قال الأصمعي : كنت في مجلس شُعبة قال :" فيسمعون جَرْشَ طير الجنة " بالشين [ المعجمة ](٢٥) فقلت :" جرس " ؟ ! فنظر إلي فقال : خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا(٢٦).
والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عن عائشة. وفي طريق ابن جريج عن عطاء،
١ - (١) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٠٧)..
٢ - (٢) في أ: "الرقي"..
٣ - (٣) تفسير الطبري (٢٨/١٠٠)..
٤ - (١) في أ: "في يومها"..
٥ - (٢) في م، أ: "الآيات كلها"..
٦ - (٣) زيادة من أ..
٧ - (٤) تفسير الطبري (٢٨/١٠٢) وأصله في الصحيح وسيأتي..
٨ - (٥) المختارة للضياء المقدسي برقم (١٨٩)..
٩ - (٦) تفسير الطبري (٢٨/١٠١)..
١٠ - (١) صحيح البخاري برقم(٤٩١١)..
١١ - (٢) صحيح مسلم برقم (١٤٧٣)..
١٢ - (٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٠٩)..
١٣ - (٤) المعجم الكبير (١١/٨٦)..
١٤ - (٥) في م: "الطبراني"..
١٥ - (٦) في أ: "عن عبد"..
١٦ - (٧) صحيح البخاري برقم (٤٩١٢)..
١٧ - (١) صحيح البخاري برقم (٦٦٩١)..
١٨ - (٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٦٧)..
١٩ - (٣) زيادة من الصحاح، مادة "عرفط" ٣/١١٤٢..
٢٠ - (٤) صحيح مسلم برقم (١٤٧٤)..
٢١ - (٥) في م: "سيقول لك"..
٢٢ - (٦) في م: "فوالله"..
٢٣ - (٧) صحيح البخاري برقم (٥٢٦٨)..
٢٤ - (١) صحيح مسلم برقم (١٤٧٤)..
٢٥ - (٢) زيادة من م..
٢٦ - (٣) انظر: الصحاح للجوهري ٢/٩٠٨ ولسان العرب لابن منظور، مادة "جرس"..
٢ - (٢) في أ: "الرقي"..
٣ - (٣) تفسير الطبري (٢٨/١٠٠)..
٤ - (١) في أ: "في يومها"..
٥ - (٢) في م، أ: "الآيات كلها"..
٦ - (٣) زيادة من أ..
٧ - (٤) تفسير الطبري (٢٨/١٠٢) وأصله في الصحيح وسيأتي..
٨ - (٥) المختارة للضياء المقدسي برقم (١٨٩)..
٩ - (٦) تفسير الطبري (٢٨/١٠١)..
١٠ - (١) صحيح البخاري برقم(٤٩١١)..
١١ - (٢) صحيح مسلم برقم (١٤٧٣)..
١٢ - (٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٠٩)..
١٣ - (٤) المعجم الكبير (١١/٨٦)..
١٤ - (٥) في م: "الطبراني"..
١٥ - (٦) في أ: "عن عبد"..
١٦ - (٧) صحيح البخاري برقم (٤٩١٢)..
١٧ - (١) صحيح البخاري برقم (٦٦٩١)..
١٨ - (٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٦٧)..
١٩ - (٣) زيادة من الصحاح، مادة "عرفط" ٣/١١٤٢..
٢٠ - (٤) صحيح مسلم برقم (١٤٧٤)..
٢١ - (٥) في م: "سيقول لك"..
٢٢ - (٦) في م: "فوالله"..
٢٣ - (٧) صحيح البخاري برقم (٥٢٦٨)..
٢٤ - (١) صحيح مسلم برقم (١٤٧٤)..
٢٥ - (٢) زيادة من م..
٢٦ - (٣) انظر: الصحاح للجوهري ٢/٩٠٨ ولسان العرب لابن منظور، مادة "جرس"..