معالم التنزيل — البغوي

عن الكتاب
﴿إن تتوبا إلى الله﴾ أي من التعاون على النبي ﷺ بالإيذاء. يخاطب عائشة وحفصة، ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ أي زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة. قال ابن زيد : مالت قلوبهما بأن سرهما ما كره رسول الله ﷺ من اجتناب جاريته.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزهري، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، أنبأنا عبد الله بن عباس قال : لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى لهما :﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلت معه بإداوة، فتبرز ثم جاء، فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ، فقلت له : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى لهما :﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ فقال : واعجباً لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة. ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال : إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت حدثته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله. وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصحت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني، فقالت : ولم تنكر أن أراجعك ! فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني فقلت : خابت من فعلت منهن بعظيم. ثم جمعت علي ثيابي فدخلت على حفصة، فقلت : أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم حتى الليل ؟ قالت : نعم، فقلت : خابت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي، لا تستكثري على النبي ﷺ ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ -يريد عائشة-. قال عمر : وكنا تحدثنا أن غسان تبعث الخيل لتغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضرباً شديداً وقال : أثم هو ؟ ففزعت فخرجت إليه فقال : حدث أمر عظيم ؟ فقلت : ما هو أجاءت غسان ! قال : لا بل أعظم منه وأطول، طلق النبي ﷺ نساءه. فقلت : قد خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون. فجمعت علي ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ، فدخل مشربة فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت : ما يبكيك ألم أكن حذرتك ؟ أطلقكن النبي ﷺ ؟ قالت : لا أدري هو ذا في المشربة. فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلاً ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ فقلت لغلام له أسود : استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي ﷺ ثم رجع إلي فقال : قد كلمت النبي ﷺ فذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام : استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت، فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت : استأذن لعمر، فاستأذن ثم رجع إلي فقال : قد ذكرتك له فصمت. فلما وليت منصرفاً، فإذا الغلام يدعوني، فقال : قد أذن لك النبي ﷺ، فدخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم : يا رسول الله أطلقت نساءك ؟ فرفع إلي بصره فقال : لا، فقلت : الله أكبر. ثم قلت وأنا قائم أستأنس : يا رسول الله لو رأيتني، وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قلت : يا رسول الله لو رأيتني، ودخلت على حفصة فقلت لها : لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله ﷺ -يريد عائشة- فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت : يا رسول الله ادع الله تعالى فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله تعالى، فجلس النبي ﷺ وكان متكئاً فقال : أو في هذا أنت يا ابن الخطاب ؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت : يا رسول الله استغفر لي. فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعاً وعشرين ليلة، وكان يقول : ما أنا بداخل عليهن شهراً -من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى. فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأ بها، فقالت له عائشة : يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً فإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عداً ! فقال : الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلة. قالت عائشة : ثم أنزل الله آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة ".
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن " أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه فبدأ بي النبي ﷺ، فقال : إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي بالجواب حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال إن الله قال :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت : أو في هذا استأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ".
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك ابن زميل حدثنا عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال :" لما اعتزل النبي ﷺ نساءه وذكر الحديث. وقال : دخلت عليه فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء ؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله تعالى- بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية :﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ و﴿إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ ". قوله :﴿وإن تظاهرا عليه﴾ أي تتظاهرا وتتعاونا على أذى النبي ﷺ. قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء، والآخرون بتشديدها. ﴿فإن الله هو مولاه﴾ أي وليه وناصره. قوله :﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب :﴿وصالح المؤمنين﴾ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قال الكلبي : هم المخلصون الذي ليسوا بمنافقين. قوله :﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ قال مقاتل : بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين ظهير، أي : أعوان النبي ﷺ. وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله :﴿وحسن أولئك رفيقا﴾( النساء- ٦٩ ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى