المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
المخاطبة بقوله تعالى :﴿إن تتوبا﴾ هي لحفصة وعائشة، وفي حديث البخاري وغيره عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : مَن اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ ؟ قال حفصة وعائشة، وقوله تعالى :﴿صغت قلوبكما﴾، معناه مالت أي عن المعدلة والصواب، والصغا : الميل، ومنه صياغة الرجل وهم حواشيه الذين يميلون إليه، ومنه أصغى إليه بسمعه، وأصغى الإناء، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «فقد زاغت قلوبكما »، والزيغ الميل وعرفه في خلاف الحق، قال مجاهد : كما نرى صغت شيئاً هيناً حتى سمعنا قراءة ابن مسعود :«زاغت »، وجمع القلوب من حيث الإنسان جمع ومن حيث لا لبس في اللفظ، وهذا نظير قول الشاعر [ حطام المجاشعي ] :[ الرجز ]
ظهراهما مثل ظهور الترسين***(١)
ومعنى الآية، إن تبتما فقد كان منكما ما ينبغي أن يتاب منه، وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم في المعنى، وإنما ترتب جواباً في اللفظ، ﴿وإن تظاهرا﴾ معناه : تتعاونا، وقرأ جمهور الناس والسبعة «تظاهرا » وأصله تتظاهرا، فأدغمت التاء في الظاء بعد البدل، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس :«إن تتظاهرا » بتاءين على الأصل، وقرأ نافع بخلاف عنه وعاصم وطلحة وأبو رجاء والحسن :«تظهرا » بتخفيف الظاء على حذف التاء الواحدة، وروي عن ابن عمر أنه قرأ :«تظّهّرا » بشد الظاء والهاء دون ألف، والمولى : الناصر المعين، وقوله ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى في قوله :﴿هو﴾، فيكون ﴿جبريل وصالح المؤمنين﴾ في الولاية، ويحتمل أن يكون ﴿جبريل﴾ رفعاً بالابتداء، وما بعده عطف عليه، و ﴿ظهير﴾ الخبر فيكون حينئذ من الظهراء لا في الولاية ويختص بأنه مولى الله تعالى، واختلف الناس في ﴿صالح المؤمنين﴾، فقال الطبري وغيره من العلماء : ذلك على العموم، ويدخل في ذلك كل صالح، وقال الضحاك وابن جبير وعكرمة : المراد أبو بكر وعمر. ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢)، وقال مجاهد نحوه، وقال أيضاً : وعلي، وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال :﴿صالح المؤمنين﴾، علي بن أبي طالب )(٣) ذكره الثعلبي. وقال قتادة والعلاء بن زياد وغيره : هم الأنبياء، وإنما يترتب ذلك بأن تكون مظاهرتهم أنهم قدوة وأسوة فهم عون بهذا، وقوله تعالى :﴿وصالح﴾ يحتمل أن يكون اسم جنس مفرداً، ويحتمل أن يريد «وصالحو » فحذفت الواو في خط المصحف، كما حذفوها في قوله :﴿سندع الزبانية﴾(٤) [العلق: ١٨] وغير ذلك. ويروى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، لا تكترث بأمر نسائك والله معك وجبريل معك ولو بكر معك، وأنا معك.
فنزلت الآية موافقة نحو أمر قول عمر(٥).
ظهراهما مثل ظهور الترسين***(١)
ومعنى الآية، إن تبتما فقد كان منكما ما ينبغي أن يتاب منه، وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم في المعنى، وإنما ترتب جواباً في اللفظ، ﴿وإن تظاهرا﴾ معناه : تتعاونا، وقرأ جمهور الناس والسبعة «تظاهرا » وأصله تتظاهرا، فأدغمت التاء في الظاء بعد البدل، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس :«إن تتظاهرا » بتاءين على الأصل، وقرأ نافع بخلاف عنه وعاصم وطلحة وأبو رجاء والحسن :«تظهرا » بتخفيف الظاء على حذف التاء الواحدة، وروي عن ابن عمر أنه قرأ :«تظّهّرا » بشد الظاء والهاء دون ألف، والمولى : الناصر المعين، وقوله ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على اسم الله تعالى في قوله :﴿هو﴾، فيكون ﴿جبريل وصالح المؤمنين﴾ في الولاية، ويحتمل أن يكون ﴿جبريل﴾ رفعاً بالابتداء، وما بعده عطف عليه، و ﴿ظهير﴾ الخبر فيكون حينئذ من الظهراء لا في الولاية ويختص بأنه مولى الله تعالى، واختلف الناس في ﴿صالح المؤمنين﴾، فقال الطبري وغيره من العلماء : ذلك على العموم، ويدخل في ذلك كل صالح، وقال الضحاك وابن جبير وعكرمة : المراد أبو بكر وعمر. ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم(٢)، وقال مجاهد نحوه، وقال أيضاً : وعلي، وروى علي عن النبي ﷺ أنه قال :﴿صالح المؤمنين﴾، علي بن أبي طالب )(٣) ذكره الثعلبي. وقال قتادة والعلاء بن زياد وغيره : هم الأنبياء، وإنما يترتب ذلك بأن تكون مظاهرتهم أنهم قدوة وأسوة فهم عون بهذا، وقوله تعالى :﴿وصالح﴾ يحتمل أن يكون اسم جنس مفرداً، ويحتمل أن يريد «وصالحو » فحذفت الواو في خط المصحف، كما حذفوها في قوله :﴿سندع الزبانية﴾(٤) [العلق: ١٨] وغير ذلك. ويروى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، لا تكترث بأمر نسائك والله معك وجبريل معك ولو بكر معك، وأنا معك.
فنزلت الآية موافقة نحو أمر قول عمر(٥).
١ هذا البيت من رجز الشاعر الإسلامي الخطام المجاشعي، يقول:
ومهمه قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور التُّرسين
والمهمه: القفر المخوف، والقذف- بفتح القاف والذال وقد تكونان بالضم- هو البعيد من الأرض، وفي رواية فدفين، والفدفد: الأرض المستوية، والمرت- بفتح الميم وسكون الراء بعدهما تاء- هو الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، والظهر: ما ارتفع من الأرض، وهو يستشهد بالبيت على جواز معاملة المثنى على أنه جمع، والعرب يقولون: أقل الجمع اثنان؟ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله"ما أحسن وجوههما"؟ فقال: الاثنان جماعة، وعلى هذا جاء قوله تعالى:﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وقال الزجاج نقلا عن بعض النحويين: إنما جُعلت تثنية ما في الإنسان منه واحد. جمعا؛ لأن أكثر أعضائه فيه منها اثنان، فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك..
٢ أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرج مثله الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.(الدر المنثور)..
٣ أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه، وأخرج مثله ابن مردويه عن أسماء بنت عُميس.(الدر المنثور)..
٤ الآية (١٨) من سورة (العلق)..
٥ رواه البخاري، عن أنس رضي الله عنه، كذلك رواه ابن أبي حاتم عنه.(الدر المنثور)..
ومهمه قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور التُّرسين
والمهمه: القفر المخوف، والقذف- بفتح القاف والذال وقد تكونان بالضم- هو البعيد من الأرض، وفي رواية فدفين، والفدفد: الأرض المستوية، والمرت- بفتح الميم وسكون الراء بعدهما تاء- هو الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، والظهر: ما ارتفع من الأرض، وهو يستشهد بالبيت على جواز معاملة المثنى على أنه جمع، والعرب يقولون: أقل الجمع اثنان؟ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله"ما أحسن وجوههما"؟ فقال: الاثنان جماعة، وعلى هذا جاء قوله تعالى:﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وقال الزجاج نقلا عن بعض النحويين: إنما جُعلت تثنية ما في الإنسان منه واحد. جمعا؛ لأن أكثر أعضائه فيه منها اثنان، فحمل ما كان فيه الواحد على مثال ذلك..
٢ أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرج مثله الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.(الدر المنثور)..
٣ أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه، وأخرج مثله ابن مردويه عن أسماء بنت عُميس.(الدر المنثور)..
٤ الآية (١٨) من سورة (العلق)..
٥ رواه البخاري، عن أنس رضي الله عنه، كذلك رواه ابن أبي حاتم عنه.(الدر المنثور)..