فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿إن تتوبا﴾ الخطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما، وجواب الشرط محذوف أي أن تتوبا ﴿إلى الله﴾ فهو الواجب ودل على المحذوف قوله :﴿فقد صغت قلوبكما﴾ أي زاغت وأثمت ومالت عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ووجد منكما ما يوجب التوبة، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله ﷺ، وهو إفشاء الحديث، وقيل : المعنى فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، وقال :﴿قلوبكما﴾ ولم يقل قلباكما لأن العرب تستكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد، ومجموع المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد من تمام العلقة والنسبة بينهما.
﴿وإن تظاهرا عليه﴾ قرأ الجمهور بحذف إحدى التاءين، وقرئ على الأصل، وقرئ تظهر بتشديد الظاء والهاء بدون ألف، وهي سبعية والمراد بالتظاهر التعاضد والتعاون، والمعنى وإن تعاضدا وتعاونا بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره وقيل : كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على النبي ﷺ في النفقة.
﴿فإن الله هو﴾ ضمير متصل منفصل ﴿مولاه﴾ تعليل لجواب الشرط المحذوف تقديره فلا يعدم ناصرا ولا معينا، فإن الله يتولى نصره بذاته ﴿و﴾ كذلك ﴿جبريل﴾ أيضا وليه ﴿وصالح المؤمنين﴾ أي من صلح من عباده المؤمنين وقيل : من بريء من النفاق، وقيل : الصحابة، وقيل : واحد أريد به الجمع وقيل : أصله صالحو المؤمنين فحذفت الواو من الحظ موافقة للفظ قال بريدة : أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعن ابن مسعود مثله.
" وعن أبي أمامة مرفوعا مثله " أخرجه الحاكم،
" وعن علي بسند ضعيف قال : هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ".
" وعن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول : وصالح المؤمنين علي بن أبي طالب " أخرجه ابن مردويه.
﴿والملائكة﴾ على تكاثر عددهم ﴿بعد ذلك﴾ أي بعد نصر الله والمذكورين ﴿ظهير﴾ أي أعوان يظاهرونه، قال أبو علي الفارسي : قد جاء فعيل للكثرة كقوله :﴿ولا يسأل حميم حميما﴾، قال الواحدي : وهذا من الواحد الذي يؤدي عن معنى الجمع كقوله :﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ وقد تقرر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع، وإنما عدل عن عطف المفرد إلى عطف الجملة ليؤذن بالفرق فإن نصرة الله هي النصرة في الحقيقة، وأنه تعالى إنما ضم إليها المظاهرة بجبريل وبصالح المؤمنين وبالملائكة للتتميم، تطبيبا لقلوب المؤمنين، وتوقيرا للنبي الرسول وإظهارا للآيات البينات، كما في يوم بدر وحنين. قال تعالى :﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى