فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي

عن الكتاب
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الظاء، والباقون: بتشديدها (١)، ومعناهما: تتعاونا على إيذائه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ أي: ناصره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا على الضمير في (مَوْلاَهُ) (وَصَالح الْمُؤْمِنِينَ) واحد يُراد به الجمع، وهم من صلح من المؤمنين. قرأ ابن كثير: (جَبْرِيلُ) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة، وقرأ أبو بكر عن عاصم كذلك، إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة، وقرأ الباقون: بكسر الجيم والراء من غير همز.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير﴾ أعوان، المعنى: كلُّ المذكورين ينصرون محمدًا ويعينونه، وتخصيص جبريل لتعظيمه.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.
[٥] ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ و (عسى) تكون للوجوب في ألفاظ القرآن إلا في موضعين: أحدهما في سورة محمد - ﷺ - (فَهَلْ عَسَيْتُمْ)؛ أي: علمتم وتمنيتم، والثاني: هنا ليس بواجب؛ لأن الطلاق معلق بالشرط، فلما لم يوجد الشرط، لم يوجد التبديل.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٧).
﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ رسولُه ﴿أنَّ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ قرأ أبو عمرو: (طَلَّقكُنَّ) بإدغام القاف في الكاف، والباقون: بالإخلاص، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُ) بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال (١).
﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ خاضعات له بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مخلصات ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات ﴿تَائِبَاتٍ﴾ عن الذنوب ﴿عَابِدَاتٍ﴾ متذللات لأمر الرسول ﴿سَائِحَاتٍ﴾ صائمات.
﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: مشتملات على الثيبات والأبكار، والآية واردة في الإخبار عن القدرة، لا عن الكون في الوقت؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وهو علم أنه لا يطلقهن، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهم؛ لأنه ليس في الوجود خير من أمة محمد - ﷺ -.
روي عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال للنبي - ﷺ -: "يا رسول الله! لا تكترثْ بأمر نسائك، والله معك، وجبريل معك، وأبو بكر معك، وأنا معك"، فنزلت الآية موافقة نحوًا من قول عمر (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، وقراءة (يبدله) في "التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٨).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٣٢)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٢٨٧). وأصله في "الصحيح".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى