مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾ ذكر المنافقين مع أن لفظ الكفار يتناول المنافقين ﴿واغلظ عليهم﴾ أي شدد عليهم، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة تارة باللسان، وتارة بالسنان، وقيل : جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، لأنهم هم المرتكبون الكبائر، لأن أصحاب الرسول عصموا منها ﴿ومأواهم جهنم﴾ وقد مر بيانه، وفي الآية مباحث :
البحث الأول : كيف تعلق ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بما سبق وهو قوله :﴿يا أيها الذين كفروا﴾ ؟ فنقول : نبههم تعالى على دفع العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم، إذ في ذلك اليوم لا تفيد ( وفيه لطيفة ) وهي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر أحوالهم والإنعام في حقهم وإكرامهم.
البحث الثاني : أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم ولا الذين آمنوا، فما الحاجة إلى قوله ﴿معه﴾ ؟ فنقول : هي إفادة الاجتماع، يعني لا يخزي الله المجموع الذي يسعى نورهم وهذه فائدة عظيمة، إذ الاجتماع بين الذين آمنوا وبين نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم.
البحث الثالث : قوله :﴿واغفر لنا﴾ يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من المؤمنين والذنب لا يكون لازما، فنقول : يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو اللازم لكل ذنب، وهو التقصير في الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من المؤمنين.
البحث الرابع : قال تعالى في أول السورة :﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ ومن بعده ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾ خاطبه بوصفه وهو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم، ولموسى يا موسى ولعيسى يا عيسى، نقول : خاطبه بهذا الوصف، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر.
البحث الخامس : قوله تعالى :﴿ومأواهم جهنم﴾ يدل على أن مصيرهم بئس المصير مطلقا إذ المطلق يدل على الدوام، وغير المطلق لا يدل لما أنه يطهرهم عن الآثام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى