جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَلْهَاكُمُ التّكّاثُرُ * حَتّىَ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنّ الْجَحِيمَ * ثُمّ لَتَرَوُنّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ﴾.** يقول تعالى ذكره : ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم، وعما ينجيكم من سخطه عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿ألهَاكُمُ التّكاثُرُ حتى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ قال : كانوا يقولون : نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعدّ من بني فلان، وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿ألهَاكُمُ التّكاثُرُ﴾ قالوا : نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً.
وروي عن النبيّ ﷺ كلام يدلّ على أن معناه التكاثر بالمال. ذكر الخبر بذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن هشام الدّستَوائيّ، عن قتادة، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، عن أبيه أنه انتهى إلى النبيّ ﷺ، وهو يقرأ :﴿ألهَاكُمُ التّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابرَ﴾ قال :«ابنَ آدم، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبِست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت ».
حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك، عن أُبيّ بن كعب، قال : كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن :«لو أن لابن آدم واديين من مالٍ، لتمنى واديا ثالثا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التّراب، ثم يتوب الله على من تاب »، حتى نزلت هذه السورة :﴿ألهَاكُمُ التّكاثُرُ﴾ إلى آخرها.
وقوله ﷺ بعَقِب قراءته :«ألهاكُمُ » : ليس لك من مالك إلا كذا وكذا، ينبئ أن معنى ذلك عنده : ألهاكم التكاثر : المال.