جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَإذَا المَوْءُودةُ سُئِلَتْ بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؟ : اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو الضّحى مسلم بن صبيح :«وَإذَا المَوْءُودَةُ سأَلَتْ بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ » ؟ بمعنى : سألت الموءودة الوائدين : بأيّ ذنب قتلوها. ذكر الرواية بذلك :
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، في قوله : وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ؟ قال : طلبت بدمائها.
حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، قال : قال أبو الضحى :«وَإذَا المَوْءُودَةُ سأَلَتْ » ؟ قال : سألت قتلتها.
ولو قرأ قارىء ممن قرأ «سأَلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ » كان له وجه، وكان يكون معنى ذلك معنى من قرأ بِأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان، كما يقال : قال عبد الله بأيّ ذنب ضُرب كما قال عَنترة :
الشّاتِمَيْ عِرْضِي ولم أشْتُمْهُماوالنّاذِرَيْن إذَا لَقِيتُهُما دَمي
وذلك أنهما كانا يقولان : إذا لقينا عنترة لنقتلنّه. فحكى عنترة قولهما في شعره وكذلك قول الآخر :
رَجُلانِ مِنْ ضَبّةَ أخْبَرَاناإنّا رأيْنا رَجُلاً عُرْيانا
بمعنى : أخبرانا أنهما، ولكنه جرى الكلام على مذهب الحكاية. وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الأمصار : وإذَا المَوْءدَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بمعنى : سُئلت الموءودة بأيّ ذنب قُتلت، ومعنى قُتلت : قتلت، غير أن ذلك ردّ إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل، وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون : وإذا الموءودة سئلت قَتَلتُها ووائدوها، بأيّ ذنب قتلوها ؟ ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله، فقيل : بأيّ ذنب قُتِلَت.
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب : قراءة من قرأ ذلك سُئِلَتْ بضم السين بِأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ على وجه الخبر، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. والموءودة : المدفونة حية، وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها ومنه قول الفرزدق بن غالب :
ومِنّا الّذي أحْيا الوَئِيدَ وَغائِبٌوعَمْرٌو، ومنّا حامِلونَ وَدافِعُ
يقال : وأده فهو يئده وأدا، ووأدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ : هي في بعض القراءات :«سأَلَتْ بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؟ » لا بذنب، كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : جاء قيس بن عاصم التميميّ إلى النبيّ ﷺ فقال : إني وَأَدت ثماني بنات في الجاهلية، قال :«فأعْتِقْ عَنْ كُلّ وَاحِدَةٍ بَدَنَةً ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يَعلى، عن الربيع بن خيثم وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ قال : كانت العرب من أفعل الناس لذلك.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعَلى، عن ربيع بن خيثم بمثله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ قال : البنات التي كانت طوائف العرب يقتلونهنّ، وقرأ : بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى