تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
( وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ) الموءودة : هي الولد، كان أهل الجاهلية يقتلونه، وكان الواحد منهم إذا ولد له ابن تركه، وإذا ولد له بنت دفنها حية. وذكر بعضهم. أن المرأة كانت إذا أخذها المخاض حفرة حفيرة، وجلست عليها فإن ولدت ابنا حبسته، وإن ولدت بنتا ألقتها في الحفيرة، وقد كان بعضهم يترك الجارية حتى تصير شديدة، ثم يقول لأمها : طيبيها زينيها، وقد حفر بئرا في الصحراء، ويحملها مع نفسه، ويأمرها أن تطلع في البئر، ثم يدفعها من خلفها في البئر، ويهيل التراب، وكانوا يفعلون ذلك إما خشية الإملاق، أو [ دفعا ] للعار وأنفة عن أنفسهم.
وقوله :( سئلت بأي ذنب قتلت ) هو سؤال توبيخ للوائد ؛ لأن من جواب هذا السؤال أن يقول : قتلت بغير ذنب. وقرأ ابن عباس والضحاك وجماعة :" وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت " والمعنى معلوم. وذكر بعضهم في تفسيره : أنها تأتي متلطخة بالدماء، وتتعلق بثدي أمها وتقول : يا رب، هذه أمي وقد قتلتني. واعم أنه ورد كثير من الأخبار في أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة(١).
وكان ابن عباس يقول : من قال الموءودة في النار فقد كذب، وتلا هذه الآية. وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :" سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر فأعطانيهم " (٢). وعنه عليه الصلاة والسلام :" أنه سئل عن أطفال المشركين ؟ فقال : هم خدم أهل الجنة(٣). وقد وردت أخبار أخر أن أولاد المشركين في النار، وقد ذكرنا بعض ذلك فيما سبق، وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لعائشة :" لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار " (٤)، وعنه عليه - الصلاة والسلام - أنه قال :" الوائدة والموءودة في النار " (٥)، وقد ثبت برواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن أطفال المشركين ؟ فقال :" الله أعلم بما كانوا عاملين " (٦).
فالأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته يفعل بهم ما يشاء. واعلم أنه قد كان في العرب من يحيي الأطفال الموءودة، وذلك بأنهم ( يفرون )(٧) من آبائهم.
وقال الفرزدق يفتخر :
ومنا الذي منع لوائداتفأحيا الوئيد فلم يوأد
قاله في جده صعصعة بن مجاشع.
١ - تقدم تخريجه..
٢ - رواه أبو يعلى ( ٦ /٢٦٧ -٣١٦ رقم ٣٥٧٠ ٣٦٣٦ -٧/١٣٨ رقم ٤١٠١ -٤١٠٢)، و ابن عدى ( ٥ /١٥١ -٦/٢٠)، و ابن الأعرابي في معجمه ( ٢ /١٢٦ رقم ٨١٤)، و أبو النعيم في أخبار أصيهان ( ١ /٣٤٤)، و ابن الجوزى في العلل ( ٢/ ٩٢٦ /١٥٤٥) عن أنس بن مالك به.
وحسن الحافظ في الفتح ( ٣ /٢٩٠) إسناده، و قال الهيثمي في المجمع (٧ /٢٢٢) : رواه أبو يعلى من طرق و رجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الرحمان بن المتوكل و هو ثقة..

٣ -تقدم تخريجه..
٤ - رواه الإمام أحمد ( ٦ /٢٠٨ )، و لوين ( رقم :(٣١) بتحقيقها )، و ابن عدى (٧ /٢٠٧ )، و ابن الجوزى في العلل ( ٢ /٩٢٤ رقم ١٥٤١) و قال : لا يصح، جميعهم عن عائشة مرفوعا به..
٥ - رواه أبو داود (٤ /٢٣٠ رقم ٤٧١٧)، و الطبراني في الكبير ( ١٠ / رقم ١٠٠٥٩، ١٠٢٣٦)، و البزار في مسنده (٥ / رقم ١٥٩٦ -١٦٠٥ -١٨٢٥)، و ابن حبان فب صحيحه ( ١٦ /٥٢١ -٥٢٢ رقم ٧٤٨٠)، و في المجروحين (٢ /٢٦١ )، و الشاشي في مسنده ( ٢ /١١٨ -١١٩ رقم ٦٤٨) عن ابن مسعود مرفوعا به و قد أطال الدارقطني الكلام عليه في العلل ( ٥ /١٦٠ -١٦٣ رقم ٧٩٤) فراجعه..
٦ - تقدم تخريجه..
٧ - كذا، و لعله : يشترونهن، انظر القرطبي ( ١٩/٢٣٢ -٢٣٣)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى