الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿رَّسُولاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها وإليه ذهب الزجَّاج والفارسي أنه منصوبٌ بالمصدرِ المنونِ قبلَه ؛ لأنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفعلٍ، كأنه قيل : أن ذَكرَ رسولاً، والمصدرُ المنوَّنُ عاملٌ كقولِه تعالى :﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤] وقولِه :
بضَرْبٍ بالسيوفِ رؤوسَ قَوْمٍأَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيلِ
الثاني : أنَّه جُعِل نفسُ الذِّكْرِ مبالغةً فأُبْدِل منه. الثالث : أنَّه بدلٌ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الأول تقديرُه : أنزل ذا ذكرٍ رسولاً. الرابع : كذلك، إلاَّ أنَّ " رسولاً " نعت لذلك المحذوف. الخامس : أنه بدلٌ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الثاني، أي : ذِكْراً ذِكْرَ رسول. السادس : أَنْ يكونَ " رسولاً " نعتاً ل ذِكْراً على حَذْفِ مضاف، أي : ذِكْراً ذا رسولٍ، ف " ذا رسول " نعتٌ لذِكْر. السابع : أَنْ يكونَ " رسولاً " بمعنى رسالة، فيكونَ " رسولاً " بدلاً صريحاً مِنْ غير تأويل، أو بياناً عند مَنْ يرى جَرَيانه في النكراتِ كالفارسيِّ، إلاَّ أنَّ هذا يُبْعِدُه قولُه :" يَتْلُو عليكم "، لأنَّ الرسالةَ لا تَتْلوا إلاَّ بمجازٍ، الثامن، أَنْ يكونَ " رسولاً " منصوباً بفعلٍ مقدر، أي : أرسل رسولاً لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه. التاسع : أَنْ يكونَ منصوباً على الإِغراء، أي : اتبِعوا والزَمُوا رسولاً هذه صفتُه.
واختلف الناس في " رسولاً " هل هو النبيُّ ﷺ، أو القرآنُ نفسُه، أو جبريلُ ؟ قال الزمخشري :" هو جبريلُ عليه السلام " أُبْدِل مِنْ " ذِكْراً " لأنه وُصِف بتلاوةِ آياتِ اللَّهِ، فكأنَّ إنزالَه في معنى إنزالِ الذِّكْرِ فصَحَّ إبدالُه منه ". قال الشيخ :" ولا يَصِحُّ لتبايُنِ المدلولَيْنِ بالحقيقة، ولكونِه لا يكونَ بدلَ بعضٍ ولا بدلَ اشتمال " انتهى. وهذا الذي قاله الزمخشريُّ سبقه إليه الكلبيُّ. وأمَّا اعتراضُه عليه فغيرُ لازمٍ لأنه إذا بُوْلِغَ فيه حتى جُعِل نفسَ الذِّكْر كما تقدَّم بيانُه. وقُرىء " رسولٌ " على إضمار مبتدأ، أي : هو رسول.
قوله :﴿لِّيُخْرِجَ﴾ متعلِّقٌ إمَّا ب " أَنْزَل "، وإمَّا ب " يَتْلو " وفاعِلُ يُخْرِج : إمَّا ضميرُ الباري تعالى المنَزِّل، أو ضميرُ الرسولِ، أو الذِّكرِ، و " مَنْ يُؤْمِنْ " هذا أحدُ المواضعِ التي رُوْعي فيها اللفظُ أولاً، ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظُ آخِراً، وقد تقدَّم ذلك في المائِدة. وقد تأوَّلَ بعضُهم هذه الآية [ وقال : ليس قولُه " خالدين " فيه ضميرٌ عائدٌ على " مَنْ " إنما يعود على مفعولِ " يُدْخِلْه "، و " خالدين " حالٌ منه، والعاملُ فيها " يُدْخِلْه " لا فِعْلُ الشرطِ ]. هذه عبارةُ الشيخِ، وفيها نظرٌ ؛ لأنَّ " خالدين " حالٌ مِنْ مفعول " يُدْخِلْه " عند القائلين بالقول الأول، وكأنَّ إصلاحَ العبارة أَنْ يقالَ : حالٌ مِنْ مفعولِ " يُدْخِلْه " الثاني، وهو " جناتٍ " والخلودُ في الحقيقةِ لأصحابِها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال : خالدين هم فيها، لجريان الوصفِ على غير مَنْ هو له.
قوله :﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ حالٌ ثانيةٌ، أو حال مِنْ الضمير في " خالدين " فتكونُ متداخلةً. /

تفسير هذه الآية من كتب أخرى