اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾.
في نصب «رسولاً » أوجه :
أحدها : قال الزجاج(١) والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله ؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل : أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾[الفتح: ٢٩]، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى :﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾[البلد: ١٤، ١٥].
وقول الآخر :[ الوافر ]
الثاني : أنه جعل نفس الذكر مبالغة، ويكون محمولاً على المعنى، كأنه قال : قد أظهر لكم ذكراً رسولاً، فيكون من باب بدل الشَّيء من الشَّيء وهو هو.
الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره : أنزل ذا ذكر رسولاً.
الرابع : كذلك، إلا أن «رسولاً » نعت لذلك المحذوف.
الخامس : أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول.
السادس : أن يكون «رَسُولاً » نعتاً ل «ذِكْراً » أو على حذف مضاف، أي : ذكراً ذا رسول، و «ذا » رسول نعتاً ل «ذِكْراً ».
السابع : أن يكون «رسولاً » بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً » بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم » لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز.
الثامن : أن يكون «رَسُولاً » منصوب بفعل مقدر، أي : أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه.
قال البغوي(٣) : كأنه قيل : أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً.
وقيل : مع رسول.
التاسع : أن يكون منصوباً على الإغراء : أي : اتبعوا وألزموا رسولاً هذه صفته.
اختلف الناس في «رسولاً »، هل هو النبي ﷺ أو القرآن نفسه أو جبريل.
قال الزمخشري(٤) :«هو جبريل أبدل من " ذكرا " ً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه ».
قال أبو حيَّان(٥) :«ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال ». انتهى.
قال شهاب الدين(٦) :«وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم ؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه ».
وقرئ(٧) :«رسول » بالرفع على إضمار مبتدأ، أي : هو رسول.
وقيل : الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى :﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقوله تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ثم بين الشرف فقال :«رَسُولاً »، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد ﷺ.
وقال الكلبي : هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين(٨).
قوله :﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾. نعت ل «الرسول »، و «آيَاتِ اللَّهِ » القرآن. و «مبيِّنَاتٍ » قرأ العامة : بفتح الياء، أي : يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨].
وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي : بكسرها، أي : يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام.
قوله :﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾. الجار متعلق إما ب «أنزل » وإما ب «يتلو ».
وفاعل «يخرج » إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر.
والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله.
وقوله :﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾. أي : من الكفر إلى الهدى والإيمان.
قال ابن عباس : نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول ؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته(٩).
قوله :﴿وَمَن يُؤْمِن﴾. هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً.
قوله :﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر(١٠) : بالنون، والباقون : بالياء.
وقوله :«خَالِدينَ ». قال بعضهم : ليس قوله «خالدين » فيه ضمير عائد على «من » إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ » و «خَالِدينَ » حال منه والعامل فيه «يدخله » لا فعل الشَّرط.
هذه عبارة أبي حيَّان(١١).
وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ » حال من مفعول «يُدْخلهُ » عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال : حال من مفعول «يُدْخِلهُ » الثاني وهو «جنَّاتٍ ». والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال :«خالدين هم فيها » لجريان الوصف على غير من هو له.
قوله :﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾. حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ »، فتكون متداخلة. ومعنى قوله :﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾، أي : وسَّع له في الجنَّات.
في نصب «رسولاً » أوجه :
أحدها : قال الزجاج(١) والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله ؛ لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل، كأنه قيل : أن ذكر رسولاً، ويكون ذكره الرسول قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾[الفتح: ٢٩]، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى :﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾[البلد: ١٤، ١٥].
وقول الآخر :[ الوافر ]
| ٤٧٨٣ - بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ | أزَلْنَا هَامَهُنَّ عنِ المَقِيلِ(٢) |
الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول، تقديره : أنزل ذا ذكر رسولاً.
الرابع : كذلك، إلا أن «رسولاً » نعت لذلك المحذوف.
الخامس : أنه بدل منه على حذف مضاف، أي ذكراً ذا رسول.
السادس : أن يكون «رَسُولاً » نعتاً ل «ذِكْراً » أو على حذف مضاف، أي : ذكراً ذا رسول، و «ذا » رسول نعتاً ل «ذِكْراً ».
السابع : أن يكون «رسولاً » بمعنى رسالة، فيكون «رسولاً » بدلاً صريحاً من غير تأويل، أو بيناً عند من يرى جريانه في النكرات كالفارسي، إلا أن هذا يبعده قوله «يَتْلُو عَلَيْكُم » لأن الرسالة لا تتلو إلا بمجاز.
الثامن : أن يكون «رَسُولاً » منصوب بفعل مقدر، أي : أرسل رسولاً، لدلالة ما تقدَّم عليه.
قال البغوي(٣) : كأنه قيل : أنزل إليكم قرآناً وأرسل رسولاً.
وقيل : مع رسول.
التاسع : أن يكون منصوباً على الإغراء : أي : اتبعوا وألزموا رسولاً هذه صفته.
فصل في قوله : رسولاً
اختلف الناس في «رسولاً »، هل هو النبي ﷺ أو القرآن نفسه أو جبريل.
قال الزمخشري(٤) :«هو جبريل أبدل من " ذكرا " ً لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذِّكر، فصح إبداله منه ».
قال أبو حيَّان(٥) :«ولا يصحّ هذا لتباين المدلولين بالحقيقة، ولكونه لا يكون بدل بعض، ولا بدل اشتمال ». انتهى.
قال شهاب الدين(٦) :«وهذا الذي قاله الزمخشري سبقه إليه الكلبي، وأما اعتراضه عليه، فغير لازم ؛ لأنه بولغ فيه حتى جعل نفس الذكر كما تقدم بيانه ».
وقرئ(٧) :«رسول » بالرفع على إضمار مبتدأ، أي : هو رسول.
وقيل : الذكر هنا الشَّرف كقوله تعالى :﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقوله تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ثم بين الشرف فقال :«رَسُولاً »، والأكثر على أن المراد بالرسول محمد ﷺ.
وقال الكلبي : هو جبريل، فيكونان جميعاً منزلين(٨).
قوله :﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله﴾. نعت ل «الرسول »، و «آيَاتِ اللَّهِ » القرآن. و «مبيِّنَاتٍ » قرأ العامة : بفتح الياء، أي : يبينها الله، وبها قرأ ابن عباس، وهي اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، لقوله تعالى :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨].
وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي : بكسرها، أي : يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام.
قوله :﴿لِّيُخْرِجَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾. الجار متعلق إما ب «أنزل » وإما ب «يتلو ».
وفاعل «يخرج » إما ضمير الباري - تعالى - المنزل، أو ضمير الرسُول، أو الذكر.
والمراد بالذين آمنوا من سبق له ذلك في علم الله.
وقوله :﴿مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾. أي : من الكفر إلى الهدى والإيمان.
قال ابن عباس : نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وأضاف الإخراج إلى الرسُول ؛ لأن الإيمان إنما حصل بطاعته(٩).
قوله :﴿وَمَن يُؤْمِن﴾. هذا أحد المواضع التي رُوعي فيها اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، ثم اللفظ آخراً.
قوله :﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر(١٠) : بالنون، والباقون : بالياء.
وقوله :«خَالِدينَ ». قال بعضهم : ليس قوله «خالدين » فيه ضمير عائد على «من » إنما يعود على مفعول «يُدخِلْهُ » و «خَالِدينَ » حال منه والعامل فيه «يدخله » لا فعل الشَّرط.
هذه عبارة أبي حيَّان(١١).
وفيها نظر، لأن «خَالدِينَ » حال من مفعول «يُدْخلهُ » عند القائلين بالقول الأول، وكان إصلاح العبارة أن يقال : حال من مفعول «يُدْخِلهُ » الثاني وهو «جنَّاتٍ ». والخلود في الحقيقة لأصحابها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال :«خالدين هم فيها » لجريان الوصف على غير من هو له.
قوله :﴿قَدْ أَحْسَنَ الله﴾. حال ثانية، أو حال من الضمير في «خَالِدينَ »، فتكون متداخلة. ومعنى قوله :﴿قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً﴾، أي : وسَّع له في الجنَّات.
١ ينظر: معاني القرآن للزجاج (٥/١٨٨)..
٢ تقدم..
٣ ينظر: معالم التنزيل ٤/٣٦١..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٥٦٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٢..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣٣٢..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٥٦١، والبحر المحيط ٨/٢٨٣، والدر المصون ٦/٣٣٢..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
١٠ ينظر: إعراب القراءات ٢/٣٧٣، والعنوان ١٩٢، وحجة القراءات ٧٧١٢..
١١ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٣..
٢ تقدم..
٣ ينظر: معالم التنزيل ٤/٣٦١..
٤ ينظر: الكشاف ٤/٥٦٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٢..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣٣٢..
٧ ينظر: الكشاف ٤/٥٦١، والبحر المحيط ٨/٢٨٣، والدر المصون ٦/٣٣٢..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١١٤)..
١٠ ينظر: إعراب القراءات ٢/٣٧٣، والعنوان ١٩٢، وحجة القراءات ٧٧١٢..
١١ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٨٣..