الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه خطابٌ لرسول الله ﷺ بلفظ الجمع تعظيماً كقوله :
فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سواكمُوإن شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
الثاني : أنه خطابٌ له ولأمَّته والتقدير : يا أيها النبيُّ وأمَّتَه إذا طلَّقْتُمْ فحذف المعطوفَ لدلالةِ ما بعده عليه، كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .إذا حَذْفَتْه رِجْلُها. . . . . . . . . . . . . . . .
أي، ويَدُها، وتقدَّم هذا في سورة النحل عند ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. الثالث : أنه خطابٌ لأمَّتِه فقط بعد ندائِه عليه السلام، وهو مِنْ تلوينِ الخطابِ خاطبَ أمتَه بعد أَنْ خاطبه. الرابع : أنَّه على إضمارِ قول، أي : يا أيها النبيُّ قُلْ لأمتك : إذا طلَّقتْم. الخامس : قال الزمخشري :" خصَّ النبيَّ ﷺ بالنداء وعَمَّ بالخطابِ ؛ لأنَّ النبيَّ إمامُ أمَّتِه وقُدْوَتُهم، كما يُقال لرئيس القومِ وكبيرِهم : يا فلانُ افعلوا كيتَ وكيتَ اعتباراً بتقدُّمِه وإظهاراً لترؤُّسه " في كلامٍ حسنٍ، وهذا هو معنى القولِ الثالثِ الذي قَدَّمْتُه.
وقوله :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، أي : إذا أَرَدْتُمْ كقولِه :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾
[المائدة: ٦] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] وتقدَّم تحقيقُ ذلك.
قوله :﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال الزمخشري :" مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتهن، كقولِك :" أتيتُه لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ من المحرَّم "، أي : مُسْتقبلاً لها، وفي قراءةِ رسولِ الله ﷺ " في قُبُل عِدَّتِهِنَّ " انتهى. وناقشه الشيخ في تقديره الحالَ التي تَعلَّق بها الجارُّ كوناً خاصاً. وقال :" الجارُّ إذا وقع حالاً إنما يتعلَّق بكونٍ مطلقٍ " وفي مناقَشَتِه نظرٌ لأنَّ الزمخشري لم يَجْعَل الجارَّ حالاً بل جَعَلَه متعلِّقَاً بمحذوف دَلَّ عليه معنى الكلامِ. وقال أبو البقاء :" لِعِدَّتِهِنَّ، أي : عند أول ما يُعْتَدُّ لهنَّ به، وهُنَّ في قُبُل الطُّهْر " وهذا منه تفسيرُ معنى لا تفسيرُ إعرابٍ. وقال الشيخ :" هو على حَذْفِ مضاف، أي : لاستقبالٍ عِدَّتِهِن، واللامُ للتوقيت نحو : لَقِيْتُه لِلَيْلَةٍ بَقِيْتَ مِنْ شهرِ كذا " انتهى. فعلى هذا تتعلَّقُ اللامُ ب " طَلِّقُوهن ".
قولِه :﴿لَعَلَّ اللَّهَ﴾ هذه الجملةُ مستأنفةٌ لا تعلُّقَ بما لها بما قبلَها ؛ لأنَّ النحاةَ لم يَعُدُّوها في المُعلِّقات. وقد جَعَلَها الشيخ. مِمَّا يَنْبغي أَنْ يُعَدَّ فيهنَّ، وقَرَّر ذلك في قوله :﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] فهناك يُطْلَبُ تحريرُه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى