تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ أسلوب من أساليب آيات التشريع المهتم به فلا يقتضي ذلك تخصيص ما يذكر بعده النبي ﷺ مثل ﴿يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥] لأن النبي ﷺ الذي يتولى تنفيذ الشريعة في أمته وتبيين أحوالها. فإن كان التشريع الوارد يشمله ويشمل الأمة جاء الخطاب مشتملاً على ما يفيد ذلك مثل صيغة الجمع في قوله هنا ﴿إذا طلقتم النساء﴾ وإن كان التشريع خاصاً بالرسول ﷺ جاءت بما يقتضي ذلك نحو ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧].
قال أبو بكر بن العربي : وهذا قولهم أن الخطاب له لفظاً. والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله :﴿يا أيها النبي﴾، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال :﴿يا أيها الرسول﴾ [المائدة: ٦٧] اه. ووجه الاهتمام بأحكام الطلاق والمراجعة والعِدّة سنذكره عند قوله تعالى :﴿واتقوا الله ربكم﴾.
فالأحكام المذكورة في هذه السورة عامة للمسلمين فضمير الجمع في قوله :﴿إذا طلقتم النساء﴾ وما بعده من الضمائر مثلِه مراد بها هو وأمته. وتوجيه الخطاب إليه لأنه المبلغ للناس وإمام أمته وقدوَتهم والمنفذ لأحكام الله فيهم فيما بينهم من المعاملات فالتقدير إذا طلقتم أيها المسلمون.
وظاهر كلمة ﴿إذا﴾ أنها للمستقبل وهذا يؤيد ما قاله أبو بكر بن العربي من أنها شرع مبتدأ قالوا : إنه يجوز أن يكون المراد إذا طلقتم في المستقبل فلا تعودوا إلى مثل ما فعلتم ولكن طلقوهن لعدتهن، أي في أطْهارهن كما سيأتي.
وتكرير فعل ﴿فطلقوهن﴾ لمزيد الاهتمام به فلم يقل إذا طلقتم النساء فلِطهرهن وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى :﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ في سورة [الشعراء: ١٣٠]، وقوله :﴿وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ في سورة [الفرقان: ٧٢].
واللام في ﴿لعدتهن﴾ لام التوقيت وهي بمعنى عند مثل كُتب ليوممِ كذا من شهر كذا. ومنه قوله تعالى :﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] لا تحتمل هذه اللام غير ذلك من المعاني التي تأتي لها اللام. ولما كان مدخول اللام هنا غير زمان عُلم أن المراد الوقت المضاف إلى عدتهن أي وقت الطهر.
ومعنى التركيب أن عدة النساء جعلت وقتاً لإيقاع طلاقهن فكني بالعدة عن الطهر لأن المطلقة تعتد بالأطهار.
وفائدة ذلك أن يكون إيماء إلى حكمة هذا التشريع وهي أن يكون الطلاق عند ابتداء العِدة وإنما تُبتدأ العدة بأول طُهر من أطْهار ثلاثة لدفع المضرة عن المطلقة بإطالة انتظار تزويجها لأن ما بين حيضها إذا طلقت فيه وبين طهرها أيام غير محسوبة في عدتها فكان أكثر المطلقين يقصدون بذلك إطالة مدة العدة ليوسعوا على أنفسهم زمن الارتياء للمراجعة قبل أن يَبنَّ منهم.
وفعل ﴿طلقتم﴾ مستعمل في معنى أردتم الطلاق وهو استعمال وارد ومنه قوله تعالى :﴿يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية والقرينة ظاهرة.
والآية تدل على إباحة التطليق بدلالة الإشارة لأن القرآن لا يقدِّر حصول فعل محرَّم من دون أن يبيّن منعه.
والطلاق مباح لأنه قد يَكون حاجيّاً لبعض الأزواج فإن الزوجين شخصان اعتشرا اعتشاراً حديثاً في الغالب لم تكن بينهما قبله صلة من نسب ولا جوار ولا تخلق بخلق متقارب أو متماثل فيكثر أن يحدث بينهما بعد التزوج تخالف في بعض نواحي المعاشرة قد يكون شديداً ويعسر تذليله، فيمل أحدهما ولا يوجد سبيل إلى إراحتهما من ذلك إلا التفرقة بينهما فأحله الله لأنه حاجيّ ولكنه ما أحله إلا لدفع الضر فلا ينبغي أن يجعل الإِذن فيه ذريعة للنكاية من أحَد الزوجين بالآخر. أو من ذوي قرابتهما، أو لقصد تبديل المذاق. ولذلك قال النبي ﷺ « أبغض الحلال إلى الله الطلاق ».
وتعليق ﴿طلقتم﴾ بإذا الشرطية مشعر بأن الطلاق خلاف الأصل في علاقة الزوجين التي قال الله فيها :﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١].
واختلف العلماء في أن النبي ﷺ طلق وجزم به الخطابي في « شرح سنن أبي داود » : ولم يثْبُتْ تطليق النبي ﷺ بحديث صحيح والمروي في ذلك خبرانِ، أولهما ما رواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان بسندهم إلى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ طلق حفصَة ثم راجعها. وفي هذا السند ضعف لأن سُوَيد بن سعيد ضعيف نسبه ابن معين إلى الكذب وضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي. وقَبله أحمد بن حنبل وأبو حاتم. وكذلك مسروق بن المرزبان يضعف أيضاً. وبقي عبد الله بن عامر بن زرارة لا متكلم فيه فيكون الحديث صحيحاً لكنه غريب وهو لا يُقبل فيما تتوفر الدواعي على روايته كهذا. وهذا الحديث غريب في مبدئه ومنتهاه لانفراد سعيد بن جبير بروايته عن ابن عباس، وانفراد ابن عباس بروايته عن عمر بن الخطاب مع عدم إخراج أهل الصحيح إياه فالأشبه أنه لم يقع طلاق النبي ﷺ حفصة ولكن كانت قضيةُ الإيلاء بسبب حفصة.
والمعروف في « الصحيح » عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه فقال الناس طلق رسول الله نساءه. قال عمر :« فقلت يا رسول الله أطلقتَ نساءك ؟، قال :« لا آليت منهن شهراً ». فلعل أحد رواة الحديث عن ابن عباس عبر عن الإيلاء بلفظ التطليق وعن الفَيْئة بلفظ راجع على أن ابن ماجه يضعف عند أهل النقد.
وثانيهما : حديث الجونية أسماءَ أو أميمة بنت شُراحيل الكندية في « الصحيح » : أن رسول الله ﷺ تزوجها وأنه لما دخل يبني بها قالت له :« أعوذ بالله منك، فقال : قد عذت بمعاذ ألحقي بأهلك » وأمَرَ أبا أُسيد الساعدي أن يكسوها ثوبين وأن يلحقها بأهلها، ولعلها أرادت إظهار شرفها والتظاهر بأنها لا ترغب في الرجال وهو خُلق شائع في النساء.
والأشبه أن هذا طلاق وأنه كان على سبب سؤالها فهو مثل التخيير الذي قال الله تعالى فيه :﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ في سورة [الأحزاب: ٢٨]. فلا يعارض ذلك قوله : أبغض الحلال إلى الله الطلاق. إذ يكون قوله ذلك مخصوصاً بالطلاق الذي يأتيه الزوج بداع من تلقاء نفسه لأن علة الكراهية هي ما يخلفه الطلاق من بغضاء المطلقة من يطلقها فلا يصدر من النبي ابتداء تجنباً من أن تبغضه المطلقة فيكون ذلك وَبَالاً عليها، فأما إذا سألته فقد انتفت الذريعة التي يجب سدها.
وعُلم من قوله تعالى :﴿لعدتهن﴾ أنهن النساء المدخول بهن لأن غير المدخول بهن لا عدة لهن إجماعاً بنص آية الأحزاب.
وهذه الآية حجة لمالك والشافعي والجمهور أن العدة بالأطهار لا بالحِيَض فإن الآية دلت على أن يكون إيقاع الطلاق عند مبدإ الاعتداد فلو كان مبدأ الاعتداد هو الحيض لكانت الآية أمراً بإيقاع الطلاق في الحيض ولا خلاف في أن ذلك منهي عنه لحديث عمر في قضية طلاق ابنه عبد الله بن عمر زوجه وهي حائض. واتفق أهل العلم على الأخذ به فكيف يخالف مخالف في معنى القرء خلافاً يفضي إلى إبطال حكم القضية في ابن عمر وقد كانت العدة مشروعة من قبل بآية سورة البقرة وآيات الأحزاب فلذلك كان نوط إيقاع الطلاق بالحال التي تكون بها العدة إحالة على أمر معلوم لهم.
وحكمة العدة تقدم بيانها.
﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾.
الإِحصاء : معرفة العدِّ وضبطه. وهو مشتق من الحصى وهي صغار الحجارة لأنهم كانوا إذا كثرت أعداد شيء جعلوا لكل معدود حصاةً ثم عدوا ذلك الحصى، قال تعالى :﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾ [الجن: ٢٨].
والمعنى : الأمر بضبط أيام العدة والإتيان على جميعها وعدم التساهل فيها لأن التساهل فيها ذريعة إلى أحد أمرين ؛ إما التزويج قبل انتهائها فربّما اختلط النسب، وإما تطويل المدة على المطلقة في أيام منعها من التزوج لأنها في مدة العدة لا تخلو من حاجة إلى من يقوم بها.
وأما فوات أمد المراجعة إذا كان المطلق قد ثاب إلى مراجعة امرأته.
والتعريف في العدة للعهد فإن الاعتداد مشروع من قبل كما علمته آنفاً والكلام على تقدير مضاف لأن المحصَى أيام العدة.
والمخاطب بضمير ﴿أحصوا﴾ هم المخاطبون بضمير ﴿إذا طلقتم﴾ فيأخذ كل من يتعلق به هذا الحكم حَظه من المطلق والمطلقة ومن يطلع على مخالفة ذلك من المسلمين وخاصة ولاة الأمور من الحكام وأهل الحسبة فإنهم الأولى بإقامة شرائع الله في الأمة وبخاصة إذا رأوا تفشي الاستخفاف بما قصدته الشريعة. وقد بيّنا ذلك في باب مقاصد القضاء من كتابي « مقاصد الشريعة ».
ففي العدة مصالح كثيرة وتحتها حقوق مختلفة اقتضتها تلك المصالح الكثيرة وأكثر تلك الحقوق للمطلِّق والمطلَّقة وهي تستتبع حقوقاً للمسلمين وولاةِ أمورهم في المحافظة على تلك الحقوق وخاصة عند التحاكم.
﴿واتقوا الله ربكم﴾.
اعتراض بين جملة ﴿وأحصوا العدة﴾ وجملة ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ والواو اعتراضية.
وحذف متعلّق ﴿اتقوا الله﴾ ليعم جميع ما يتقى الله فيه فيكون هذا من قبيل الاعتراض التذييلي وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله.
فقوله :﴿واتقوا الله ربكم﴾ تحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة. ذلك أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزناً وكان قرابة المطلقات قلما يدافعن عنهن فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها فلذلك كانت هذه الآيات شديدة اللهجة في التحدّي، وعبر عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود الله ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف ﴿ربّكم﴾ للتذكير بأنه حقيق بأن يتقى غضبه.
﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مبينة﴾.
استئناف أو حال من ضمير ﴿أحصوا العدة﴾، أي حالة كون العدة في بيوتهن، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من مضمون جملة ﴿أحصوا العدة﴾ لأن مكثهن في بيوتهن في مدة العدة يحقق معنى إحصاء العدة.
ولكلا الوجهين جردت الجملة عن الاقتران بالواو جوازاً أو وجوباً.
وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يسمى في الفقه مِلْك الانتفاع دون العين ولأن بقاء المطلقات في البيوت اللاّتي كنّ فيها أزواجاً استصحاب لحال الزوجية إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب « ربّة البيت » وللمطلقة حكم الزوجة ما دامت في العدة إلا في استمتاع المطلق.
وهذا الحكم سببُه مركب من قصد المكارمة بين المطلّق والمطلقة. وقصد الانضباط في علة الاعتداد تكميلاً لتحقق لحاق ما يظهر من حمل بأبيه المطلّق حتى يبرأ النسب من كل شك.
وجملة ﴿ولا يخرجن﴾ عطف على جملة ﴿لا تخرجوهن﴾ وهو نهي لهن عن الخروج فإن المطلق قد يُخرجها فترْغب المطلقة في الخروج لأنها تستثقل البقاء في بيت زالت عنه سيادتها فنهاهن الله عن الخروج. فَإذا كان البيت مكترى سكنتْه المطلقة وكراؤه على المطلق وإذا انتهى أمد كرائه فعلى المطلق تجديده إلى انتهاء عدة المطلقة.
وهذا الترتب بين الجملتين يشعر بالسببية وأن لكل امرأة معتدة حق السكنى في بيت زوجها مدة العدة لأنها معتدة لأجله أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى