التفسير المظهري — المظهري

عن الكتاب
أخرج الحاكم عن ابن عباس قال طلق يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة مزينة فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما يغني عني إلا ما يغني هذه الشعرة فنزلت ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ قال الذهبي الإسناد واه والخبر خطأ وعبد يزيد لم يدرك الإسلام.
وأخرج أبو حاتم من طريق قتادة عن أنس قال طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فأتت أهلها فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل لها راجعها فإنها صوامة قوامة، وأخرج ابن جرير عن قتادة مرسلا وابن المنذر عن ابن سيرين وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل هذه الآية قال بلغنا أنها نزلت في عبد الله ابن العاص وطفيل ابن عمرو ابن سعيد ابن العاص والله تعالى أعلم.
قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ خص النداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمة فندائه كندائهم أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم وقيل مجازه يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء أي أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له بمنزلة الشارع كما في قوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾(١) فإنا قرأت القرآن فاستعذ بالله } (٢) ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ قال الشافعية اللام بمعنى الوقت أي وقت عدتهن وأيده البغوي بأنه كان ابن عباس وابن عمر على أن الطلاق في الحيض حرام لحديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :( ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) (٣) متفق عليه قال البغوي نزلت هذه الآية في هذه القصة يعني طلاق ابن عمر امرأته في الحيض فيظهر بذلك أن العدة بالأطهار دون الحيضات والمراد بالقروء في العدة الأطهار وقالت الحنفية اللام للوقت يعني في غير معهود في الاستعمال وسيلزم ذلك تقديم العدة الطلاق أو مقارنته لاقتضائه وقوعه في وقته بل اللام هاهنا للعاقبة على طريقة له وللموت وابنوا للخراب يعني طلقوهن حتى تعقبه العدة أو اللام صلة لمحذوف والتقدير طلقوهن مستقبلات لعدتهن يقال في التاريخ بإجماع أهل العربية خرجت لثلاث يقين من رمضان وفي حديث ابن عمر المذكور في رواية مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تلى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن ومعنى قراءة ابن عباس وابن عمر وطلقوهن في قبل عدتهن أي في استقبال عدتهن فظهران العدة بالحيضات دون الأطهار وقد مر الخلاف في مسألة العدة بالحيضات أو الإطهار ومسألة حرمة الطلاق في الحيض في سورة البقرة.
مسألة : أجمع العلماء أيضا على أن الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه حرام أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم :( فيطلقها طاهرا قبل أن يمس ) وعلى أنه لا يحرم طلاق امرأة حائض لم يدخل بها ولا طلاق صغيرة لم تحض ولا أيسة بعدنا جامعها لأن الرحمة لتطويل العدة ولا عدة على غير المدخول بها وعدة الصغيرة وأيسة بالأشهر وذا لا يمتد بالطلاق بعد الجماع أيضا ﴿وأحصوا العدة﴾ يعني اضبطوها بالحفظ وأمكثوها ثلاثة قروء كوامل لئلا تقع الرجعة بعد العدة و التزوج بزوج آخر قبل انقضاء العدة وكل ذلك لا يجوز ﴿واتقوا الله ربكم﴾ في تطويل العدة والإضرار بهن ﴿لا تخرجوهن﴾ أي المطلقات رجعيات كن أو بوائن ﴿من بيوتهن﴾ أي من مساكنهن في وقت الطلاق وهي بيوت الأزواج حتى تنقضي عدتهن ﴿ولا يخرجن﴾ باختيارهن ومن هذه الآية يثبت أنه لا يجوز للمطلقة مطلقا رجعية كانت أو بائنة الخروج من بيت الزوج ليلا ونهارا إلا بضرورة فإن الضرورة مستثناة في العبادات وهي تبيح المحذورات والضرورة مثل انهدام البيت أو خوف السرقة أو عدم وجدان كراء البيت أو ضيق المنزل عليهما أو كون الزوج فاسقا والطلاق بائنا ولم يكن هناك قادر على حيلولة أو نحو ذلك وقال أحمد يجوز للمطلقة البائنة تخرج من بيتها في حوائجها.
وعن الشافعي كالمذهبين قال البغوي إن كانت لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن أو نحو ذلك يجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا إجماعا احتجوا بحديث جابر قال : طلقت خالته فأرادت أن تجد نخلا فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( بلى فجدي نخلك فإنه عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا ) (٤)رواه مسلم قال أبو حنيفة حديث الآحاد لا يعارض الآية القطعية غير أنها تخرج في ضرورة ملجئة إجماعا.
مسألة : إذا لزمت العدة في السفر في غير موضع الإقامة أن لم يكن بينها وبين مصرها الذي خرجت منه ميسرة سفر رجعت وإن كانت تلك في كل جانب بين الرجوع والتوجه إلى القصد سواء كان معها أولى أولا والرجوع أولي ليكون الاعتداء في منزل الزوج، وقيل يختار أقربها وإن كانت هاهنا وبين مصرعا مسيرة سفر وبينها وبين المقصد أقل يتوجه إلى المقصد وإن كانت في موضع الإقامة تعتد ثمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعند أبي يوسف ومحمد إن كان معها ولي جاز له الرجوع إلى الوطن والمسير إلى المقصد على التفصيل المذكور.
مسألة : يجوز للمتوفي عنها زوجها في العدة الخروج من بيت زوجها نهارا ولا يجوز ليلا، وقال الشافعي يجوز مطلقا وقد مر المسألة في سورة البقرة، قال البغوي إن رجالا استشهدوا بأحد فقالت نسائهم نستوحش في بيوتنا فأذن لهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كانت وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها وذكر في سورة البقرة حديث أخت أبي سعيد الخدري قال لها النبي صلى الله عليه وسلم في عدة زوجها :( أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) (٥) ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ استثناء مفرغ في محل الظرف أي لا تخرجوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين قال ابن عمرو السدي وإبراهيم النخعي يجوز للفاحشة خروجها من بيتها قبل انقضاء العدة وبه أخذ أبو حنيفة، قال ابن همام هذا أبدع وأغرب يقال في الخطابيات لا تزني إلا أن تكوني فاحشة ولا تشتم إنك إلا أن تكون قاطع رحم ونحوه وعلى هذا التأويل استثناء من الثاني وقال ابن مسعود الفاحشة الزنا فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها وبه أخذ أبو يوسف قال ابن همام وهذا ظهر من جهة وضع اللفظ لأن غاية والشيء لا يكون غاية لنفسه وقال ابن عباس الفاحشة المبينة أن تبدوا على أهل زوجها فيحل إخراجها وكذا قال قتادة أن معناه أن يطلقها على نشوزها وعلى هذين التأويلين استثناء من الأول يعني لا تخرجوهن ﴿وتلك﴾ الأحكام المذكورة ﴿حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ بأن عرضها للعقاب ﴿لا تدري﴾ أيها الخاطب وجملة ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ في تأويل المفرد مفعول للاتدري أي لا تدري حدوث أمر بعد ذلك تعليل لقوله أحصوا العدة ولا تخرجوهن والمعنى لعل الله يحدث بعد بغضها وإرادة فراقها والرغبة عنها في قلب. زوجها محبتها والرغبة فيها فتندمون على الطلاق وتريدون الرجعة
١ سورة المائدة الآية: ٦.
٢ سورة النحل الآية: ٩٨.
٣ أخرجه البخاري في أول كتاب الطلاق {٥٢٥١} وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها {١٤٧١}.
٤ أخرجه مسلم في كتاب الطلاق باب: جواز خروج المعتدة البائن والمتوفي عنها زوجها في النهار لحاجتها {١٤٨٣}.
٥ أخرجه النسائي في كتاب: الطلاق باب: عدة المتوفي عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر {٣٥٢٣} وأخرجه أبو داود ف-ي كتابك الطلاق باب: في المتوفي عنها تنتقل {٢٢٩٨} وأخرجه الترمذي في كتاب: الطلاق واللعان باب: ما جاء في اللعان {١٢٠٠}.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى