تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يا أيها النبي إلى طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ [الطلاق: ١].
شرح المفردات : طلقتم النساء : أي أردتم طلاقهن كما جاء في قوله تعالى :﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] أي إذا أردت قراءته، لعدتهن، أي مستقبلين عدتهن بأن تطلقوهن في طهر لا قربان فيه، وأحصوا العدة : أي اضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كوامل، وأصل الإحصاء العدّ بالحصي كما كان يستعمل ذلك قديما ثم استعمل في العدّ والضبط، والفاحشة المبينة : هي ارتكاب ما يوجب الحد، أو البذاء على الأحماء أو على الزوج، أو الخروج قبل انقضاء العدة، وحدود الله : شرائعه التي أمر بها ونهى عن تركها، ظلم نفسه : أي أضرّ بها، والأمر : هو الندم على طلاقها والميل إلى رجعتها.
المعنى الجملي : أمر الله المؤمنين أن يطلقوا نساءهم في الطهر الذي يحسب لهن من عدتهن، وهو الطهر الذي لا وقاع فيه، ولا يطلقوهن في حيض لا يعتددن به من قروئهن، كما أمرهن بضبط العدة وحفظها، والخوف من تعدى حدود الله، وعدم إخراجهن من مساكنهن التي كن فيها قبل الطلاق حتى تنتهي عدتهن إلا أن يأتين بمعصية ظاهرة كالبذاء على الأحماء والأزواج، أو الخروج من الدار قبل انقضاء العدة، ومن يتعد هذه الحدود فقد ظلم نفسه وارتكب ما يضرها ويجعلها تندم عل ما فعلت، ثم أبان حكمة الإبقاء في البيوت، وهي سهولة مراجعتها لميل القلب إليها وتحوّله من بغض إلى محبة.
الإيضاح :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ أي أيها المؤمنون إذا أردتم طلاق نسائكم فطلقوهن لزمان محسوب من عدتهن، وهو طهر لا قربان فيه حتى لا يطول عليهن زمان العدة، فإن طلقتموهن في زمان الحيض كان الطلاق طلاقا بدعيا حراما، والمراد بالنساء المدخول بهن من ذوات الأقراء، أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن، وذوات الأشهر سيأتي حكمهنّ فيما بعد.
أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي في آخرين عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه ثم قال :( ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ).
وخص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته وقدوتهم ؛ كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت، قاله في الكشاف.
والخلاصة : إن السنة في الطلاق أن تطلق المرأة وهي طاهرة دون أن يكون قد لامسها في هذا الطهر، أو أن يطلقها وهي حامل حملا مستبينا، ومن هذا قسم الفقهاء الطلاق أقساما ثلاثة :
( ١ ) طلاق سنة، وهو أن يطلقها طاهرة من غير قربان، أو حاملا حملا قد استبان.
( ٢ ) طلاق بدعة وهو أن يطلقها حين الحيض أو في طهر قد واقعها فيه، فلا يدرى أحملت أم لا. والسر في هذا أنه بعمله هذا أطال عليها العدة، لأن هذه الحيضة لا تحسب في العدة، وكذا الطهر الذي بعدها، لأنها إنما تكون بثلاث حيضات كوامل.
( ٣ ) طلاق لا هو بسنة ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها.
وقد روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون ألا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك حتى تنقضي العدة، وما كان أخسّ عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات. وقال مالك ابن أنس لا أعرف طلاقا إلا واحدة، وكان يكره الثلاث متفرقة أو مجموعة. وأبو حنيفة وأصحابه يكرهون ما زاد على الواحدة في طهر واحد. وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة بل هو مباح.
والخلاصة : أن مالكا يراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأن أبا حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده.
﴿وأحصوا العدة﴾ أي واحفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها لئلا تطول على المرأة. واحفظوا الأحكام والحقوق التي تجب فيها.
وإنما خوطب الأزواج بذلك دون النساء، لأنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن المرتبة عليه.
﴿واتقوا الله ربكم﴾ أي واخشوا الله ربكم، فلا تعصوه فيما أمركم به من الطلاق لعدتهن، وفي القيام بما للمعتدات من حقوق.
وفي وصفه تعالى بالربوبية مبالغة في وجوب الامتثال لأمره، لما في لفظ الرب من التربية التي هي الإنعام والإكرام على ضروب لا حصر لها.
ثم بين بعض هذه الحقوق فقال :
﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق، غضبا عليهن أو كراهة لمساكنتهن أو لحاجة لكم إلى المساكن، لأن تلك السكنى حق الله تعالى أوجبه للزوجات، فليس لكم أن تتعدوه إلا لضرورة، كانهدام المنزل أو الحريق أو السيل أو خوف الفتنة في الدين.
﴿ولا يخرجن﴾ أي لا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن، إذ السكنى في الببوت حق الشرع، فلا يسقط بالإذن، فإن خرجن ليلا أو نهارا كان ذلك الخروج حراما ولا تنتهي لعدة.
ثم استثنى من لزوم المكث في البيوت ما إذا دعت الضرورة إلى الإخراج فقال :
﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ أي لا يخرجن إلا إذا فعلن ما يوجب حدا من زنى أو سرقة أو غيرهما كما أخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب، أو يبذون على الأحماء أو الأزواج، فيحل إخراجهن من بيوتهن لبذائهن، وسوء خلقهن، أو خرجن متحولات عن منازلهن اللاتي يجب عليهن أن يكملن العدة فيها، فأي ذلك فعلن فللأزواج إخراجهن من البيوت، لإتيانهن بالفاحشة الواضحة التي ارتكبنها.
﴿وتلك حدود الله﴾ أي هذه الأمور التي بينتها لكم من الطلاق للعدة، وإحصاء العدة، والأمر باتقاء الله، وألا تخرج المطلقة من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة- هي حدود الله التي حدها لكم، فلا تتعدوها.
ثم بين عاقبة تجاوز تلك الحدود فقال :
﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ أي ومن يتجاوز ما شرع الله لعباده من شرائع، وما أبيح له إلى ما لم يبح فقد ظلم نفسه وأضرّ بها من حيث لا يدري.
ثم بين علة هذا الضرر فقال :
﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ أي لا تعلم أيها المرء أن الله يقلب القلوب، فيجعل في قلبك محبة لها، فتندم على فراقها، وتود الرجعة إليها، فلا يتسنى لك ذلك، لأن الفرصة تكون قد ضاعت، وما جرّ ذلك عليك إلا تعدى حدود الله.
والخلاصة : إن من يتعد حدود الله فقد أساء إلى نفسه، فإنه لا يدري عاقبة ما هو فاعل، فلعل الله يحدث في قلبه بعد ذلك الذي فعل من التعدي- أمرا يدعوا إلى عكس ما فعل، فيبدّل البغض محبة، والإعراض إقبالا، ولا يتسنى له تلافي ذلك برجعة أو استئناف نكاح فتضيع الفرصة ويندم، ولات ساعة مندم.
تنبيه : الشريعة الإسلامية- وإن أباحت الطلاق- بغّضت فيه وقبحته وبينت أنه ضرورة لا يلجأ إليها إلا بعد استنفاد جميع الوسائل لبقاء رباط الزوجية الذي حببت فيه وجعلته من أجل النعم، فرغبت في إرسال حكم من أهله وحكم من أهلها قبل حدوث الطلاق، لعلهما يزيلان ما بين الزوجين من نفور، كما رغبت في أن تكون الطلقات الثلاث متفرقات، لعل النفوس تصفو بعد الكدر، والقلوب ترعوي عن غيها، ولعلهما يندمان على ما فرط منهما فتكون الفرصة مواتية، ويمكن الرجوع إلى ما كانا عليه، بل قد يعودان إلى حال أحسن مما كانا.
روى أبو داود عن محارب بن دثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق ) وروى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ). وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات ). وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس به، حرّم الله عليها رائحة الجنة ). أخرجه أبو داود والترمذي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى