التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
الربع الثالث من الحزب السادس والخمسين
في المصحف الكريم
أكثر ما يدور عليه الحديث في هذا الربع من كتاب الله المحتوي على سورة " الطلاق " المدنية هو بيان أحكام الله في الطلاق وتوابعه، اهتماما بشؤون الأسرة الإسلامية، وحرصا على ضمان حقوق أعضائها في مختلف الظروف، وقد وجه الخطاب في أول هذه السورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المسلم الأول والرئيس الأعلى للأمة الإسلامية جمعاء. فقال تعالى في بداية الخطاب :﴿يأيها النبي﴾، ثم وجه الخطاب بعده مباشرة إلى أمته :﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ الآية، والشأن في خطاب الله الموجه إلى رسوله أن يكون شاملا له ولأمته، كما يكون خطاب الله الموجه إلى الأمة شاملا لها وللرسول، إلا فيما اختص به الرسول عليه السلام من " الخصائص ".
وقوله تعالى هنا :﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، أمر من الله للزوج المسلم إذا اضطر إلى طلاق زوجته بأن لا يطلقها وهي حائض، وإنما يطلقها بعد أن تطهر من الحيض، وتكون في طهر لم يباشرها فيه بالمرة.
روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى :﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، أنه قال : " لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، لكن يتركها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة "، أي : واحدة، وقال عكرمة : " لا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا ".
قال ابن كثير : " ومن هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق، وقسموه إلى طلاق " سنة " وطلاق " بدعة ". " فطلاق السنة " أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها، و " البدعي " هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا. وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها ".
وقوله تعالى :﴿وأحصوا العدة﴾، أمر بإحصاء أيام " العدة " لمعرفة بدايتها ونهايتها، حتى لا يقع الغلط بالزيادة، فتطول مدتها على المرأة، ويتأخر زواجها من الغير، أو بالنقص فتقصر مدة العدة، وتتزوج المرأة قبل انتهاء أمد العدة المحدود. وتوكيدا لامتثال هذا الأمر والتدقيق في تنفيذه عقب عليه كتاب الله بقوله :﴿واتقوا الله ربكم﴾، أي : التزموا تقوى الله في هذا المجال، ولا تعرضوا أوامره للإهمال أو للإبطال.
وقوله تعالى :﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾، يقتضي أنه إذا طلق الرجل زوجته فليس له الحق في أن يخرجها من بيته ما دامت في عدتها، إذ هي " معتدة " منه بالخصوص، وبذلك كان لها على الزوج المطلق حق السكنى، واختيار القرآن الكريم لاستعمال لفظ " بيوتهن "، بدلا من استعمال لفظ " بيوتكم " تأكيد للنهي عن إخراجهن، وإشارة إلى أن حق الزوجة في السكنى لا يزال قائما بحكم " الاستصحاب " وما دامت المرأة معتدة فإنها تعتبر كأنها في بيتها، وكما أنه لا يجوز للزوج إخراجها من البيت، فإنها لا يجوز لها أيضا الخروج منه، صيانة لحق الزوج أيضا، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة " الحديث.
وقوله تعالى :﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، يقتضي أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا إذا ارتكبت فاحشة مبينة، و " الفاحشة المبينة " تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس، ومن وافقهما، وتشمل ما إذا نشزت المرأة، أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب وعكرمة، ومن وافقهما، وحملها ابن عمر على " خروج المرأة من البيت بغير حق ".
وقوله تعالى :﴿وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾، يقتضي وجوب احترام المسلمين لشرائع الله كما شرعها، وعدم انتهاككم لحرماته كما يقتضي تحذيرهم من الخروج عنها، وترك الائتمار بها، لأن في الخروج عنها وعدم احترامها إضرارا من الإنسان بنفسه قبل غيره، فمن أهمل جزءا من الشرائع ولو قل، احتاج إليه ولم يجده، وصدق عليه المثل العربي : " على نفسها جنت براقش ".
وقوله تعالى :﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا١﴾، إشارة إلى الحكمة التي توخاها الشارع في إبقاء المرأة المطلقة خلال مدة العدة ساكنة في منزل الزوجية، وحيث " أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق "، كما قال صلى الله عليه وسلم فقد شرع الله العدة عقب وقوع الطلاق، وألزم الزوج بإبقاء زوجته المطلقة في بيتها خلال مدة العدة، عسى أن يندم الزوج على طلاق زوجته، ويلقي الله في روعه الرغبة في ارتجاعها، فيكون أمر ارتجاعها أيسر وأسهل، وهذا هو المراد بقوله تعالى :﴿أمرا﴾ في الآية، وهو دليل واضح على كراهة الإسلام للطلاق وعدم تشجيعه عليه، وتهيئته الجو الصالح للندم، والعودة إلى الحياة الزوجية العادية، روي عن فاطمة بنت قيس في تفسير قوله تعالى :﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾، قالت : " هي الرجعة "، وكذا قال قتادة وعطاء والثوري والشعبي ومن وافقهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى