روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء﴾ خص النداء به ﷺ وعم الخطاب بالحكم لأن النبي عليه الصلاة والسلام إمام أمته كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه واعتباراً لترؤسه، وأنه المتكلم عنهم والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه فكان هو وحده في حكمهم كلهم وساداً مسد جميعهم، وفي ذلك من إظهار جلالة منصبه عليه الصلاة والسلام ما فيه، ولذلك اختير لفظ ﴿النبي﴾ لما فيه من الدلالة على علو مرتبته ﷺ، وقيل : الخطاب كالنداء له ﷺ إلا أنه اختير ضمير الجمع للتعظيم نظير ما في قوله
: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقيل : إنه بعد ما خاطبه عليه الصلاة والسلام بالنداء صرف سبحانه الخطاب عنه لأمته تكريماً له ﷺ لما في الطلاق من الكراهة فلم يخاطب به تعظيماً، وجعل بعضهم الكلام على هذا بتقدير القول أي قل لأمتك :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، وقيل : حذف نداء الأمة، والتقدير يا أيها النبي وأمة النبي إذا طلقتم، وأياً مّا كان فالمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف للفعل منزلة الشارع فيه، واتفقوا على أنه لولا هذا التجوز لم يستقم الكلام لما فيه من تحصيل الحاصل، أو كون المعنى إذا طلقتم فطلقوهن مرة أخرى وهو غير مراد، وقال بعض المحققين : لك أن تقول : لا حاجة إلى ذلك بل هو من تعليق الخاص بالعام وهو أبلغ في الدلالة على اللزوم كما يقال : إن ضربت زيداً فاضربه ضرباً مبرحاً لأن المعنى إن يصدر منك ضرب فليكن ضرباً شديداً، وهو أحسن من تأويله بالإرادة فتدبر انتهى، وأنت تعلم أن المتبادر فيما ذكره كونه على معنى الإرادة أيضاً ﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت نحو كتبته لأربع ليال يقين من جمادى الأولى، أو مستقبلات لها على ما قدره الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بما فيه نظر واعتبار الاستقبال رأي من يرى أن العدة بالحيض وهي القروء في آية البقرة كالإمام أبي حنيفة ليكون الطلاق في الطهر وهو الطلاق المأمور به، والمراد بالأمر بإيقاعه في ذلك النهي عن إيقاعه في الحيض.
وقد صرحوا جميعاً بأن ذلك طلاق بدعى حرام، وقيد الطهر بكونه لم يجامعن فيه، واستدل لذلك، ولاعتبار الاستقبال بما أخرجه الإمامان : مالك. والشافعي. والشيخان. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وابن ماجه. وآخرون عن ابن عمر «أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال : ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء ».
وقرأ النبي ﷺ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن وكان ابن عمر كما أخرج عنه ابن المنذر. وغيره يقرأ كذلك، وكذلك ابن عباس، وفي رواية عنهما أنهما قرآ لقبل عدتهن. ومن يرى أن العدة بالأطهار وهي القروء في تلك الآية كالإمام الشافعي يعلق لام التوقيت بالفعل ولا يعتبر الاستقبال، واعترض على التأويل بمستقبلات لعدتهن بأنه إن أريد التلبس بأولها فهو للشافعي، ومن يرى رأيه لا عليه وعلى الخالف لا له، وإن أريد المشارفة عادة فخلاف مقتضى اللفظ لأن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت لا استقبال الوقت، وعلى الاستدلال بقراءة رسول الله ﷺ تعالى عله وسلم حسبما تضمنه الحديث السابق بأن قبل الشيء أو له نقيض دبره فهي مؤكدة لمذهب الشافعي لا دافعة له، ويشهد لكون العدة بالإطهار قراءة ابن مسعود لقبل طهرهن ومنهم من قال : التقدير لاطهار عدتهن، وتعقب بأنه إن جعلت الإضافة بمعنى من دل على أن القرء هو الحيض والطهر معاً، وإن جعلت بمعنى اللام فيكفي ما في قولك لإطهار الحيض من التنافر رداً مع ما فيه من الإضمار من غير دليل.
وفي الكشاف المراد أي من الآية أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن وهو أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعد من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقها للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وقال مالك : لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو مفروقة، وأما أبو حنيفة. وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد فأما مفروقا في الاطهار فلا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض :«ما هكذا أمرك الله إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة » وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمر :«مر ابنك فليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء ».
وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح، فمالك يراعي في طلاق السنة الواحدة.
والوقت، وأبو حنيفة يراعى التفريق. والوقت، والشافعي يراعى الوقت انتهى.
وفي فتح القدير في الاحتجاج على عدم كراهة التفريق على الاطهار وكونه من الطلاق السني رواية غير ما ذكر عن ابن عمر أيضاً، وقد قال فيها ما قال إلا أنه في الآخرة رجح قبولها، والمراد بإرسال الثلاث دفعة ما يعم كونها بألفاظ متعددة كأن يقال : أنت طالق أنت طالق أنت طالق، أو بلفظ واحد كأن يقال : أنت طالق ثلاثاً، وفي وقوع هذا ثلاثاً خلاف، وكذا في وقوع الطلاق مطلقاً في الحيض، فعند الإمامية لا يقع الطلاق بلفظ الثلاث. ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة، وقد قال ﷺ :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد » ونقله غير واحد عن ابن المسيب. وجماعة من التابعين، وقال قوم منهم فيما قيل طاوس. وعكرمة : الطلاق الثلاث بفم واحد يقع به واحدة، وروي هذا أبو داود عن ابن عباس وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة وفي الصحيحين أن أبا الصهباء قال لابن عباس : ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ. وأبي بكر. وصدر من خلافة عمر قال : نعم، وفي رواية لمسلم أن ابن عباس قال : كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ. وأبي بكر. وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، ومنهم من قال في المدخول بها : يقع ثلاث، وفي الغير واحدة لما في مسلم. وأبي داود. والنسائي أن أبا الصهباء كان كثير السؤال من ابن عباس قال : أما علمت أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة ؟ فقال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوا ذلك واحدة على عهد رسول الله ﷺ. وأبي بكر. وصدر من خلافة عمر الحديث، والذي ذهب إليه جمهور الصحابة. والتابعين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين ومنهم الأئمة الأربعة وقوع الثلاث بفم واحد. بل ذكر الإمام ابن الهمام وقوع الإجماع السكوتي من الصحابة على الوقوع.
ونقل عن أكثر مجتهديهم كعلي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس. وابن مسعود. وأبي هريرة. وعثمان بن عفان. وعبد الله بن عمرو بن العاص الإفتاء الصريح بذلك، وذكر أيضاً أن إمضاء عمر الثلاث عليهم مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمهم بأنه كانت واحدة لا يمكن إلا لأنهم قد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ، أو لعلمهم بانتهاء الحكم لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتهاءها في الزمان المتأخر، واستحسن ابن حجر في التحفة الجواب بالاطلاع على ناسخ بعد نقله جوابين سواه وتزييفه لهما، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بعض أخبار مرفوعة يستدل بها على وقوع الثلاث، لكن قيل : إن الثلاث فيها يحتمل أن تكون بألفاظ ثلاثة كأنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولعله هو الظاهر لا بلفظ واحد كأنت طالق ثلاثاً، وحينئذ لا يصلح ذلك للرد على من لم يوقع الثلاث بهذا اللفظ لكن إذا صح الإجماع ولو سكوتياً على الوقوع لا ينبغي إلا الموافقة والسكوت، وتأويل ما روي عن عمر، ولذا قال بعض الأئمة : لو حكم قاض بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه لإجماع الأئمة المعتبرين عليه، وإن اختلفوا في معصية من يوقعه كذلك، ومن قال : بمعصيته استدل بما روي النسائي عن محمود بن لبيد قال :«أخبرنا رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاثاً جميعاً فقام غضبان فقال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ا حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ألا أقتله » وبما أخرجه عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف تطليقة فانطلق عبادة فسأله ﷺ فقال عليه الصلاة والسلام :«بانت بثلاث في معصية الله وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون عدوان وظلم إن شاء الله تعالى عذبه وإن شاء غفر له » ويفهم من هذا حرمة إيقاع الزائد أيضاً وهو ظاهر كلام ابن الرفعة، ومقتضى قول الروياني واعتمده الزركشي. وغيره أنه يعزر فاعله، ووجه بأنه تعاطي نحو عقد فاسد وهو حرام، ونوزع في ذلك بما فيه نظر، وبما في سنن أبي داود عن مجاهد قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنه طلق زوجته ثلاثاً فقال له : عصيت ربك وبانت منك امرأتك إلى غير ذلك.
ومن قال بعدمها استدل بما رواه الشيخان من أن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره ﷺ بحرمتها عليه، وقال : إنه لو كان معصية لنهاه عنه لأنه أوقعه معتقداً بقاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل ولم يوجدا، فدل على أن لا حرمة وبأنه قد فعله. جماعة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف طلق زوجته تماضر ثلاثاً في موضعه. والحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته شهبانوا ثلاثاً لما هنته بالخلافة بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه، وقال بعض الحنفية في ذلك : إنه محمول على أنهم قالوا : ثلاثاً للسنة، وهو أبعد من قول بعض الشافعية فيما روي من الأدلة الدالة على العصيان فيه أنه محمول على أنه كان في الحيض فالمعصية فيه من تلك الحيثية.
واستدل على كونه معصية إذا كان في الحيض بما هو أظهر من ذلك كالروايتين السابقتين فيما نقل عن الكشاف، وفي الاستدلال بهما على حرمة إرسال الثلاث بحث، وربما يستدل بالثانية على وجوب الرجعة لكن قد ذكر بعض أجلة الشافعية أنها لا تجب بل تندب في الطلاق البدعي، وإنما لم تجب لأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء، وليس في فليراجعها أمر لابن عمر لأنه تفريع على أمر عمر، فالمعني فليراجعها لأجل أمرك لكونك والده، واستفادة الندب منه حينئذ إنما هي من القرينة، وإذا راجع ارتفع الاثم المتعلق بحق الزوجة لا في الرجعة قاطعة للضرر من أصله فكانت بمنزلة التوبة ترفع أصل المعصية، وبه فارق دفن البصاق في المسجد فإنه قاطع لدوام ضرره لا لأصله لأن تلويث المسجد به قد حصل، ويندفع ب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى