فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿يأيُّهَا النبيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء﴾ نادى النبيّ ﷺ أوّلاً تشريفاً له، ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك، والمعنى : إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه ﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات لعدتهنّ أو في قبل عدتهنّ، أو لقبل عدتهنّ. وقال الجرجاني : إن اللام في لعدتهنّ بمعنى في : أي في عدتهنّ. وقال أبو حيان : هو على حذف مضاف : أي لاستقبال عدتهنّ، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة بقيت من شهر كذا، والمراد أن يطلقوهنّ في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى تنقضي عدتهنّ، فإذا طلقوهنّ هكذا فقد طلقوهنّ لعدتهنّ، وسيأتي بيان هذا من السنة في آخر البحث إن شاء الله ﴿وَأَحْصُواْ العدّة﴾ أي احفظوها، واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتمّ العدّة، وهي ثلاثة قروء، والخطاب للأزواج، وقيل : للزوجات، وقيل : للمسلمين على العموم، والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم ﴿واتقوا الله رَبَّكُمْ﴾ فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضارّوهن ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ أي التي كنّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدّة، وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في مدّة العدّة، ومثله قوله :﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] وقوله :﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهنّ من البيوت التي وقع الطلاق وهنّ فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضاً فقال :﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ أي لا يخرجن من تلك البيوت ما دمن في العدّة إلاّ لأمر ضروري كما سيأتي بيان ذلك، وقيل : المراد لا يخرجن من أنفسهن إلاّ إذا أذن لهنّ الأزواج فلا بأس، والأوّل أولى ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ﴾ هذا الاستثناء هو من الجملة الأولى : أي لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ، لا من الجملة الثانية. قال الواحدي : أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا : الزنا، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحدّ عليها. وقال الشافعي وغيره : هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت، ويؤيد هذا ما قال عكرمة : إن في مصحف أبيّ «إلاّ أن يفحشن عليكم » وقيل المعنى : إلاّ أن يخرجن تعدّياً، فإن خروجهنّ على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد. والإشارة بقوله :﴿وَتِلْكَ﴾ إلى ما ذكر من الأحكام وهو مبتدأ وخبره ﴿حُدُودَ الله﴾ والمعنى : أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدّها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله﴾ أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخلّ بشيء منها ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بإيرادها مورد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله له على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وجملة :﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها وتعليله. قال القرطبي : قال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ؛ والمعنى : التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثاً أضرّ بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد إلى المراجعة سبيلاً. وقال مقاتل ﴿بعد ذلك﴾ أي بعد طلقة أو طلقتين ﴿أمراً﴾ بالمراجعة. قال الواحدي : الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج : وإذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى لقوله :﴿لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله ﴿يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له : راجعها فإنها صوّامة قوّامة وهي من أزواجك في الجنة. وأخرجه ابن جرير عن قتادة مرسلاً. وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : طلق عبد يزيد أبو ركانة أمّ ركانة، ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله ما يغني عني إلاّ ما تغني عني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، فأخذت رسول الله ﷺ حمية عند ذلك، فدعا رسول الله ركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه :«أترون كذا من كذا، فقال رسول الله ﷺ لعبد يزيد : طلقها، ففعل، فقال لأبي ركانة ارتجعها، فقال : يا رسول الله إني طلقتها، قال : قد علمت ذلك، فارتجعها، فنزلت :﴿يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾». قال الذهبي : إسناده واه، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر «أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، فتغيظ رسول الله ﷺ، ثم قال : ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء»، وقرأ النبيّ ﷺ :«يا أيها النبيّ إذا طلقتم النساء فطلقوهنّ في قبل عدتهنّ». وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر :«أن رسول الله ﷺ قرأ :«فطلقوهنّ في قبل عدتهنّ». وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ :«فطلقوهنّ لقبل عدتهنّ». وأخرج ابن الأنباري وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله، فليطلقها طاهراً في غير جماع. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعدَّتِهِنَّ﴾ قال : طاهراً من غير جماع، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ﴿وَأَحْصُواْ العدة﴾ قال : الطلاق طاهراً في غير جماع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن عمر في قوله :﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ﴾ قال : خروجها قبل انقضاء العدّة من بيتها هي الفاحشة المبينة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ﴾ قال : الزنا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال : الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حلّ لهم إخراجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله :﴿لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ قالت : هي الرّجعة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلاً سأل عمران بن حصين أن رجلاً طلق ولم يشهد، قال : بئس ما صنع، طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، فَلْيُشْهِدْ على طلاقه وعلى مراجعته ويستغفر الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله :﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ قال : مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه، وفي قوله :﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ قال : من حيث لا يدري. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ قال : ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وأخرج الحاكم وصححه، وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال :«نزلت هذه الآية ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ، فقال : اتق الله واصبر، فلم يلبث إلاّ يسيراً حتى جاء ابن له بغنم كان العدوّ أصابوه، فأتى رسول الله ﷺ، فسأله عنها وأخبره خبرها، فقال : كلها، فنزلت :﴿وَمَن يَتَّقِ الله﴾ الآية». وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال :«جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه، فما تأمرني ؟ قال : آمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فقالت المرأة : نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدوّ، فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت :﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾» الآية. وفي الباب روايات تشهد لهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت : يكفيه همّ الدنيا وغمها. وأخرج أحمد وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي عن أبي ذرّ قال :«جعل رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ فجعل يردّدها حتى نعست، ثم قال :«يا أبا ذرّ لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله :﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال : ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه ودفع عنه ما يكره وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً، وفي قوله :﴿إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ﴾ قال : يقول قاضي أمره على من توكل وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً، وفي قوله :﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَيْء قَدْراً﴾ قال : يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه. وأخرج ابن المبارك والطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو يعلى والحاكم وصححه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله ﷺ :«لو أنكم توكلتم على الله حقّ توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». وأخرج إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية في البقرة في عدّة النساء قالوا : لقد بقي من عدّة النساء عدد لم يذكر في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع حيضهنّ وذوات الحمل، فأنزل الله :﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض﴾ الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو يعلى والضياء في المختارة وابن مردويه عن أبيّ بن كعب قال :«قلت للنبيّ ﷺ :﴿وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أهي المطلقة ثلاثاً، أو المتوفى عنها ؟ قال : هي المطلقة ثلاثاً، والمتوفى عنها». وأخرج نحوه عنه مرفوعاً ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني من وجه آخر. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً قال : تعتدّ آخر الأجلين، فقال : من شاء لاعنته إن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة ﴿وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ بكذا وكذا أشهراً، وكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها. وروي نحو هذا عنه من طرق وبعضها في صحيح البخاري. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة : أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ. وفي الباب أحاديث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى