الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ : فيه وجهان، أظهرهما : أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه، أحدُهما وهو الظاهر أنه الجملة الدعائية من قوله :" رضي الله عنهم ". والثاني : أن الخبر قوله :" الأوَّلون " والمعنى : والسابقون أي بالهجرة [ هم ] الأوَّلون مِنْ أهل هذه المِلَّة، أو السابقون إلى الجنة الأولون من أهل الهجرة. الثالث : أن الخبرَ قولُه :﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ والمعنى فيه الإِعلام بأن السَّابقين من هذه/ الأمة من المهاجرين والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاء، وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ.
الثاني من وجهي " السابقين " : أن يكون نَسَقاً على ﴿مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي : ومنهم السابقون. وفيه بُعْدٌ.
والجمهورُ على جَرِّ " الأنصار " نسقاً على المهاجرين. يعني أن السابقين من هذين الجنسين. وقرأ جماعة كثيرة أَجِلاَّء : عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد وعيسى الكوفي وطلحة ويعقوب :" والأنصارُ " برفعها. وفيه وجهان أحدهما : أنه مبتدأ، وخبرُه " رضيَ الله عنهم ". والثاني : عطف على " السابقون ". وقد تقدم ما فيه فيُحكم عليه بحكمه.
قوله :﴿بِإِحْسَانٍ﴾ متعلقٌ بمحذوف ؛ لأنه حالٌ من فاعل " اتَّبعوهم ". وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن الواوَ ساقطةٌ من قوله :" والذين اتبعوهم " ويقول : إن الموصول صفةٌ لمن قبله، حتى قال له زيد بن ثابت إنها بالواو فقال : ائتوني بأُبَيّ. فأتَوه به فقال له : تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة :﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [ الآية : ٣ ]، وأوسط الحشر :﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [ الآية : ١٠ ]، وآخر الأنفال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ﴾ [ الآية : ٧٥ ]. ورُوِي أنه سمع رجلاً يقرؤها بالواو فقال : مَنْ أقرأك ؟ قال : أُبَيّ. فدعاه فقال : أَقْرَأنيه رسولُ الله ﷺ وإنك لتبيع القَرَظ بالبقيع. قال : صَدَقْتَ وإن شئت قل : شهدنا وغِبْتم، ونَصَرْنا وخَذَلْتم، وآوَيْنا وطَرَدْتم. ومن ثَمَّ قال عمر : لقد كنتُ أرانا رُفِعْنا رَفْعةً لا يَبْلُغها أحدٌ بعدنا.
وقرأ ابن كثير :﴿تجري من تحتها﴾ ب " مِنْ " الجارة، وهي مرسومةٌ في مصاحف مكة. والباقون " تحتها " بدونها، ولم تُرْسَمْ في مصاحفهم، وأكثرُ ما جاء القرآن موافقاً لقراءة ابن كثير هنا :﴿تجري مِنْ تحتها﴾ في غير موضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى