كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾؛ أرادَ بالسَّابقِينَ الذين سَبَقوا إلى الإيمان، وهم الذين صَلَّوا إلى القِبلَتَين وشَهِدُوا بَدْراً، وقال الشعبيُّ: (هُمْ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ بالْحُدَيْبيَةِ)، وَقِيْلَ: همُ الذين أنفَقُوا قبلَ الهجرةِ، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾[الحديد: ١٠].
وإنَّما مَدَحَ السابقين لأن السابقَ إمامٌ للتالي، وقولهُ تعالى: ﴿وَٱلأَنْصَارِ﴾ عطفٌ على المهاجرين، وقرأ بعضُهم (وَالأنْصَارُ) بالرفعِ عطفاً على السَّابقين، وعن عمر رضي الله عنه: (وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) بغيرِ الواو، وسمِعَ رجُلاً قرأ (وَالَّذِينَ) بالواوِ فقالَ: مَنْ أقْرَأكَ هَذِهِ الآيَةَ؟ قَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: لاَ تُفَارقْنِي حَتَّى أذهَبَ بكَ إلَيْهِ، فَلَمَّا أتَاهُ قَالَ لَهُ: يَا أُبَيُّ أقْرَأتَهُ هَذِهِ الآيَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ رضي لله عنه: كُنْتُ أظُنُّ أنَّا ارْتَفَعْنَا رفْعَةً لاَ يَبْلُغُهَا أحَدٌ بَعْدَهَا، فَقَالَ أُبَيُّ: تَصْدِيقُ هَذِهِ الآيَةِ أوَّلُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾[الآية: ٣] وَأوْسَطُ سُورَةِ الْحَشْرِ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾[الآية: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿بِإحْسَانٍ﴾ والإحسانُ هو فعلُ الحسَنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي رَضِيَ اللهُ عنهم بإحسانِهم، ورَضُوا عنه بالثَّواب والكرامةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾؛ في هذا الموضعِ بغير (مِنْ) إلا ابنَ كثير فانه يقرأ (مِنْ تَحْتِهَا).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى