التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذا التقسيم للأعراب، انتقلت السورة للحديث عن المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب الرسول - ﷺ -، وأطاعوه في السر والعلن، فقال تعالى :﴿والسابقون الأولون...﴾.
فهذه الآية الكريمة قد مدحت ثلاث طوائف من المسلمين المعاصرين للعهد النبوى.
الطائفة الأولى ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين﴾ وهم الذين تركوا ديارهم وأموالهم بمكة، وهاجروا إلى الحبشة، ثم الى المدينة من أجل إعلاء كلمة الله واستمروا في المدينة مع رسول الله - ﷺ - إلى أن تم الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وقيل المراد بهم : الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل : الذين شهدوا غزوة بدر.
والطائفة الثانية : السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين بايعوا النبى - ﷺ - قبل أن يهاجر اليهم إلى المدينة بيعة العقبة الأولى والثانية.
وكانت بيعة العقبة الأولى في السنة الحادية عشرة من البعثة، وكان عدد المشتركين فيها سبعة أفراد.
أما بيعة العقبة الثانية فكانت في السنة الثانية عشرة من البعثة، وكان عدد المشتركين فيها سبعين رجلا وامرأتين.
ثم يلي هؤلاء أولئك المؤمنون من أهل المدينة الذين دخلوا في الإِسلام على يد مصعب بن عمير، قبل وصول الرسول - ﷺ - اليها.
ثم يلى هؤلاء جميعا أولئك الذين آمنوا بالنبى - ﷺ - بعد مقدمه إلى المدينة.
والطائفة الثالثة :﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ أى : الذين اتبعوا السابقين في الإسلام من المهاجرين والأنصار، اتباعا حسنا في أقوالهم وأعمالهم وجهادهم ونصرتهم لدعوة الحق.
قال الآلوسى ما ملخصه : وكثير من الناس ذهب إلى أن المراد بالسابقين الأولين : جميع المهاجرين والأنصار. ومعنى كونهم سابقين : أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين.
روى عن حميد بن زياد قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظى، ألا تخبرنى عن الصحابة فيما كان بينهم من الفتن ؟ فقال لي : إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، فقلت له : وفى أي موضع أوجب لهم الجنة، فقال : سبحانه ! ! ألم تقرأ قوله. تعالى - :﴿والسابقون الأولون...﴾ الآية فقد أوجب. سبحانه لجميع الصحابة الجنة وشرط على تبايعهم أن يقتدروا بهم في أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا سوءاً.
وقوله :﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بيان لسمو منزلتهم، وارتفاع مكانتهم.
أى : رضي الله عنهم في إيمانهم وإخلاصهم، فتقبل أعمالهم، ورفع درجاتهم وتجاوز عن زلاتهم، ورضوا عنه، بما أسبغه عليهم من نعم جليلة، وبما ناله منه سبحانه من هداية وثواب.
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان ما هيأه لهم في الآخرة من إكرام فقال :﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم﴾.
أى : أنه - سبحانه - بجانب رضاه عنهم ورضاهم عنه في الدنيا، قد أعد لهم - سبحانه - في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها خلودا أبديا وذلك الرضا والخلود في الجنات من الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز، ولا تدانيه سعادة.
قال الإِمام ابن كثير : أخبر الله - تعالى - في هذه الآية " أنه قد رضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. فياويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول، وخيرهم وأفضلهم أعنى الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبى قحافة، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الايمان بالقرآن إذ يسبون من رضى الله عنهم ؟
وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضى الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالى الله، ويعادون من يعادى الله، وهم متبعون لا مبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون.
وبهذا نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى