مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في المراد. فقال بعضهم : هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة، فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم.
والقول الثاني : أن الزكوات كانت واجبة عليهم، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم.
والقول الثالث : أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات. وقالوا في الزكاة إنها طهرة، أما القائلون بالقول الأول : فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها، ولا بما بعدها، وصارت كلمة أجنبية، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة، قالوا : المناسبة حاصلة أيضا على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة، عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة، ولم تضايقوا فيها، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق. لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبقى نظم هذه الآيات سليما أولى، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة. قوله :﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ والمعنى تطهيرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة. وأما القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأنه تعالى قال :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة ﴿من﴾ تفيد التبعيض. واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة، فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى.
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة.
الحكم الأول
أن قوله :﴿خذ من أموالهم﴾ يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ، بل المذكور ههنا قوله :﴿صدقة﴾ ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان، وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ أمرا بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذ يزول الإجمال. ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله ﷺ وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله ﷺ هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك من المراتب، فكان قوله :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ أمرا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثاني
أن قوله :﴿من أموالهم صدقة﴾ يقتضي أن يكون المال مالا لهم، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكا للمالك في النصاب، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة. وأن لا يكون لها تعلق البتة بالنصاب.
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب، فالذي هلك ما كان محلا للحق، بل محل الحق باق كما كان، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان، وهذا قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثالث
ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون، وفي مال الضمان، وهو ظاهر.
الحكم الرابع
ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا ؟
المسألة الثالثة : في قوله :﴿تطهرهم﴾ أقوال :
القول الأول : أن يكون التقدير : خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم.
القول الثاني : أن يكون تطهرهم معلقا بالصدقة، والتقدير : خذ من أموالهم صدقة مطهرة، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جاريا مجرى التطهير، والله أعلم.
إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله :﴿وتزكيهم﴾ يكون منقطعا عن الأول، ويكون التقدير ﴿خذ﴾ يا محمد ﴿من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ تلك الصدقة، وتزكيهم أنت بها.
القول الثالث : أن يجعل التاء في ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ ﴿تطهرهم﴾ من أطهره بمعنى طهره ﴿وتطهرهم﴾ بالجزم جوابا للأمر، ولم يقرأ ﴿وتزكيهم﴾ إلا بإثبات الياء.
ثم قال تعالى :﴿وتزكيهم﴾ واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير، وقيل : التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى : أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء، وقيل : الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء.
ثم قال تعالى :﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿إن صلاتك﴾ بغير واو وفتح التاء على التوحيد، والمراد منه الجنس، وكذلك في سورة هود ﴿أصلاتك تأمرك﴾ بغير واو وعلى التوحيد، والباقون ﴿صلواتك﴾ وكذلك في هود على الجمع، قال أبو عبيدة : والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر. ألا ترى أنه قال :﴿أقيموا الصلاة﴾ والصلوات جمع قلة، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات، قال أبو حاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال :﴿ما نفدت كلمات الله﴾ ولم يرد القليل وقال :﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ وقال :﴿إن المسلمين والمسلمات﴾
المسألة الثانية : احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن. فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير كما في قوله :﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ وكما في قوله :﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾.
المسألة الثالثة : لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فإذا قلنا صلى فلان على فلان، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية. إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : معناه ادع لهم، قال الشافعي رحمه الله : والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون : معناه أن يقول اللهم صل على فلان، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال :" اللهم صل على آل أبي أوفى " ونقل القاضي في «تفسيره » عن الكعبي في «تفسيره » أنه قال علي لعمر وهو مسجى : عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام.
المسألة الرابعة : أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم ؟ ورأيت بعضهم قال : أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام ؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ قال القاضي : إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل عليه أنهم قالوا : يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال على وجه التعليم قولوا :" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي، فيتناول عليا ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم، والله أعلم.
المسألة الخامسة : كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها ههنا لئلا تضيع، فقلت : إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم. فقوله : سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم، إلا أنهم قالوا : النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى :﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
إذا عرفت هذا فههنا وجهان : الأول : أن التنكير يدل على الكمال، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ والمعنى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة.
إذا ثبت هذا فقوله :«سلام » لفظة منكرة، فكان المراد منه سلام كامل تام، وعلى هذا التقدير : فقد صارت هذه النكرة موصوفة، فصح جعلها مبتدأ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله :«عليكم » والتقدير : سلام كامل تام عليكم. والثاني : أن يجعل قوله :«عليكم » صفة لقوله :«سلام » فيكون مجموع قوله :«سلام عليكم » مبتدأ ويضمر له خبر،
المسألة الأولى : اختلف الناس في المراد. فقال بعضهم : هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة، فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم.
والقول الثاني : أن الزكوات كانت واجبة عليهم، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم.
والقول الثالث : أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات. وقالوا في الزكاة إنها طهرة، أما القائلون بالقول الأول : فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها، ولا بما بعدها، وصارت كلمة أجنبية، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة، قالوا : المناسبة حاصلة أيضا على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة، عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة، ولم تضايقوا فيها، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق. لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبقى نظم هذه الآيات سليما أولى، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة. قوله :﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ والمعنى تطهيرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة. وأما القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأنه تعالى قال :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة ﴿من﴾ تفيد التبعيض. واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة، فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى.
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة.
الحكم الأول
أن قوله :﴿خذ من أموالهم﴾ يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ، بل المذكور ههنا قوله :﴿صدقة﴾ ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان، وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ أمرا بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذ يزول الإجمال. ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله ﷺ وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله ﷺ هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك من المراتب، فكان قوله :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ أمرا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثاني
أن قوله :﴿من أموالهم صدقة﴾ يقتضي أن يكون المال مالا لهم، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكا للمالك في النصاب، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة. وأن لا يكون لها تعلق البتة بالنصاب.
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب، فالذي هلك ما كان محلا للحق، بل محل الحق باق كما كان، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان، وهذا قول الشافعي رحمه الله.
الحكم الثالث
ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون، وفي مال الضمان، وهو ظاهر.
الحكم الرابع
ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا ؟
المسألة الثالثة : في قوله :﴿تطهرهم﴾ أقوال :
القول الأول : أن يكون التقدير : خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم.
القول الثاني : أن يكون تطهرهم معلقا بالصدقة، والتقدير : خذ من أموالهم صدقة مطهرة، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جاريا مجرى التطهير، والله أعلم.
إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله :﴿وتزكيهم﴾ يكون منقطعا عن الأول، ويكون التقدير ﴿خذ﴾ يا محمد ﴿من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ تلك الصدقة، وتزكيهم أنت بها.
القول الثالث : أن يجعل التاء في ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.
المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ ﴿تطهرهم﴾ من أطهره بمعنى طهره ﴿وتطهرهم﴾ بالجزم جوابا للأمر، ولم يقرأ ﴿وتزكيهم﴾ إلا بإثبات الياء.
ثم قال تعالى :﴿وتزكيهم﴾ واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير، وقيل : التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى : أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء، وقيل : الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء.
ثم قال تعالى :﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿إن صلاتك﴾ بغير واو وفتح التاء على التوحيد، والمراد منه الجنس، وكذلك في سورة هود ﴿أصلاتك تأمرك﴾ بغير واو وعلى التوحيد، والباقون ﴿صلواتك﴾ وكذلك في هود على الجمع، قال أبو عبيدة : والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر. ألا ترى أنه قال :﴿أقيموا الصلاة﴾ والصلوات جمع قلة، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات، قال أبو حاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال :﴿ما نفدت كلمات الله﴾ ولم يرد القليل وقال :﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ وقال :﴿إن المسلمين والمسلمات﴾
المسألة الثانية : احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن. فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير كما في قوله :﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ وكما في قوله :﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾.
المسألة الثالثة : لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فإذا قلنا صلى فلان على فلان، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية. إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : معناه ادع لهم، قال الشافعي رحمه الله : والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون : معناه أن يقول اللهم صل على فلان، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال :" اللهم صل على آل أبي أوفى " ونقل القاضي في «تفسيره » عن الكعبي في «تفسيره » أنه قال علي لعمر وهو مسجى : عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام.
المسألة الرابعة : أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم ؟ ورأيت بعضهم قال : أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام ؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ قال القاضي : إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل عليه أنهم قالوا : يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال على وجه التعليم قولوا :" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي، فيتناول عليا ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم، والله أعلم.
المسألة الخامسة : كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها ههنا لئلا تضيع، فقلت : إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم. فقوله : سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم، إلا أنهم قالوا : النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى :﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
إذا عرفت هذا فههنا وجهان : الأول : أن التنكير يدل على الكمال، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ والمعنى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة.
إذا ثبت هذا فقوله :«سلام » لفظة منكرة، فكان المراد منه سلام كامل تام، وعلى هذا التقدير : فقد صارت هذه النكرة موصوفة، فصح جعلها مبتدأ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله :«عليكم » والتقدير : سلام كامل تام عليكم. والثاني : أن يجعل قوله :«عليكم » صفة لقوله :«سلام » فيكون مجموع قوله :«سلام عليكم » مبتدأ ويضمر له خبر،