الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾، إلى قوله :﴿التواب الرحيم﴾[ ١٠٣، ١٠٤ ].
قوله :﴿تطهرهم وتزكيهم﴾، هو خطاب للنبي(١) عليه السلام.
أي : فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج(٢).
وقيل : هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال : ويكون ﴿بها﴾ توكيدا(٣).
ف " التاء " (٤) على القول الأول(٥) للمخاطبة، وفي ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ ضمير النبي ﷺ. وهي على القول(٦) الثاني : الثانية للصدقة(٧) لا للمخاطبة، وفي ﴿تطهرهم وتزكيهم﴾ ضمير الصدقة.
وقيل : هما للنبي عليه السلام(٨)، وهما في موضع الحال منه(٩).
وقيل :﴿تطهرهم﴾ للصدقة، صفة [ لها ](١٠)، ﴿وتزكيهم﴾ للنبي عليه السلام، حال منه(١١).
وأجاز بعض النحويين(١٢)، في ﴿تطهرهم﴾ الجزم ؛ لأنه جواب الأمر(١٣).
وحجة من قرأ :﴿صلواتك﴾ بالجمع هنا(١٤)، وفي " هود " (١٥)، وفي " المؤمنين " (١٦).
إجماعهم على الجمع في :﴿وصلوات الرسول﴾[ ١٠٠ ]، ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين، يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به ؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو(١٧)، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت(١٨)/ من الكتاب(١٩).
وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف(٢٠)، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات(٢١).
ومن قرأ بالتوحيد(٢٢)، احتج بالإجماع في :﴿قل إن صلاتي ونسكي﴾(٢٣)، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام " (٢٤)، و﴿سال سائل﴾(٢٥).
وأيضا فإن قوله(٢٦) : إن صلاتك أعم من : إن صلواتك ؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه : " إن دعواتك "، والتوحيد بمعنى : " إن دعاءك "، والدعاء أعم من " الدعوات " وأكثر ؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة(٢٧).
ومعنى الآية : خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [ ﴿صدقة تطهرهم﴾ من دنس ذنوبهم، ﴿وتزكيهم﴾، أي : تنميهم(٢٨) ]، وترفعهم بها، ﴿وصل عليهم﴾، أي : ادع لها بالمغفرة، ﴿إن صلواتك سكن لهم﴾[ ١٠٣ ]، أي : إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، ﴿والله سميع﴾[ ١٠٣ ]، أي : سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير(٢٩) ذلك(٣٠).
قال ابن عباس : أتى أبو لبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي ﷺ، فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل الله، عز وجل :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، الآية(٣١).
وقد قيل :﴿وصل عليهم﴾ : منسوخ بقوله :﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾[ ٨٥ ](٣٢).
وقيل : إنها محكمة(٣٣).
والمعنى : وادع لهم إذا جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء(٣٤).
وقال قتادة :﴿سكن لهم﴾(٣٥)، وقار لهم(٣٦).
وقال زيد بن أسلم : قالوا : يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي ﷺ، أن يأخذ. فأنزل الله عز وجل :﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، الآية(٣٧).
قال سعيد بن جبير : كان الثلاثة إذا ( اشتكى أحدهم )(٣٨).
اشتكى الآخران مثله، وكان قد عمي(٣٩)، فلم يزل الآخر يدعو حتى عمي(٤٠).
وقال ابن عباس :﴿سكن لهم﴾ : رحمه لهم(٤١).
وقيل : إن هذا إنما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم(٤٢).
١ في الأصل: النبي..
٢ معاني القرآن وإعرابه ٢/٤٦٧..
٣ معاني القرآن ١/٣٦٥، بتصرف، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٣، وعنه نقل مكي..
٤ في "ر": بالتاء، وهو تحريف ناسخ..
٥ أي: قول الزجاج..
٦ أي: قول الأخفش..
٧ في الأصل: للثانية الصدقة..
٨ في "ر"، رمز: صم..
٩ مشكل إعراب القرآن ١/٣٣٥..
١٠ طمس جلها في الأصل، وفي "ر"، طمست كليا بفعل الرطوبة والأرضة. وأثبت ما اجتهدت في قراءته في بقايا الأصل، مما يقتضيه السياق..
١١ مشكل إعراب القرآن ١/٣٣٥، بأطول من هذا، وأورده النحاس في إعراب القرآن ٢/٢٣٣، مختصرا، وينظر: البيان ١/٤٠٥، والتبيان ٢/٦٥٨، والمحرر الوجيز ٣/٧٨، والبحر المحيط ٥/٩٩، والدر المصون ٣/٥٠٠، ٥٠١..
١٢ في جامع البيان ١٤/٤٥٧: "وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: ﴿تطهرهم﴾ للنبي عليه السلام، فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعد على "الصدقة" عائد، ﴿وتزكيهم﴾ مستأنف، وإن كان الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما..
١٣ إعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٣، وتفسير القرطبي ٨/١٥٨، وفتح القدير ٢/٤٥٥.
قال ابن العربي في أحكام القرآن ٢/١٠٠٩: "وأهل الصناعة يرون أن يكون ذلك خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى بالغوا فقالوا: إنه يجوز أن يقرأ ﴿تطهرهم﴾ بجزم الراء ليكون جواب الأمر، والذي نراه أن كونه صفة أبلغ في نعت الصدقة"..

١٤ وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، كتاب السبعة في القراءات ٣١٧..
١٥ آية ٨٧، ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تامرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾.
١٦ آية: ٩﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾..
١٧ المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار ٥٤، ٥٥..
١٨ في الأصل: واختصرت، ولا يستقيم به السياق..
١٩ انظر: المقنع ٥٥..
٢٠ انظر: المقنع ٥٥..
٢١ انظر: المصدر نفسه ٢٢، فصل: حذف الألف من الجمع السالم..
٢٢ وهي قراءة: حفص، وحمزة، والكسائي. الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٥٠٥، وإعراب القراءات السبع ١/٢٥٢، وحجة القراءات ٣٢٢، والتيسير ٩٧..
٢٣ الأنعام ١٦٤ وتمامها: ﴿ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾..
٢٤ آية ٩٣، ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يومنون بالآخرة يومنون به وهم على صلواتهم يحافظون﴾..
٢٥ آية ٢٣: ﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾، وتسمى أيضا: سورة المعارج. إتحاف فضلاء البشر ٢/٥٦٠..
٢٦ في "ر": قولك، وهو تحريف ناسخ..
٢٧ انظر: مزيد بيان في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٥٠٥-٥٠٦، وجامع البيان ١٤/٤٥٨..
٢٨ زيادة من "ر"..
٢٩ في الأصل: ولغيرك..
٣٠ جامع البيان ١٤/٤٥٤، بتصرف..
٣١ جامع البيان ١٤/٤٥٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٧٤، ١٨٧٥..
٣٢ الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ٣٢٠، ٣٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٢/٢٣٣، والناسخ والمنسوخ لابن العربي ٢/٢٦٣، والمحرر الوجيز ٣/٧٨، وتفسير القرطبي ٨/١٥٨..
٣٣ وهو الاختيار عند المؤلف في الإيضاح ٣٢١، "لأن الصلاتين مختلفتان لا تنسخ إحداهما الأخرى" وفيه مزيد بيان، وناسخ ابن العربي ٢/٢٦٣، والمحرر الوجيز ٣/٧٨، وتفسير القرطبي ٨/١٥٩..
٣٤ انظر: تفصيل ذلك في جامع البيان ١٤/٤٥٤، وما بعدها، وتفسير ابن كثير ٢/٣٨٦، والدر المنثور ٤/٢٨١، ٢٨٢..
٣٥ في الأصل: وقال، وهو تحريف..
٣٦ جامع البيان ١٤/٤٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٧٦، وتفسير ابن كثير ٢/٣٨٦، من غير "لهم"..
٣٧ جامع البيان ١٤/٤٥٥، باختصار..
٣٨ ما بين الهلالين ساقط من ر..
٣٩ في "ر": دعى، وهو تحريف. وعمي من باب صدي، المختار/عمي..
٤٠ جامع البيان ١٤/٤٥٥، باختصار..
٤١ جامع البيان ١٤/٤٥٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/١٨٧٦، من غير "لهم"، وتفسير ابن كثير ٢/٣٨٦، والدر المنثور ٤/٢٨١..
٤٢ وهو قول عكرمة في تفسير الماوردي ٢/٣٩٨، وتفسير البغوي ٤/٩٢، وزاد المسير ٣/٤٩٦، وتفسير القرطبي ٨/١٥٥، وعزاه أيضا إلى جويبر عن ابن عباس. وهو قول جماعة من الفقهاء في المحرر الوجيز ٣/٧٨، والبحر المحيط ٥/٩٩. ورجحه ابن العربي في أحكام القرآن ٢/١٠١٠، انظر تفسير الرازي ٨/١٨١، وما بعدها. والجمهور على أنها صدقة التطوع، كما في زاد المسير ٣/٤٩٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى