التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك، فقال - تعالى - :﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ..﴾.
قال الجمل : قوله :﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ..﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وابو بكر عن عاصم " مرجأون " بهمزة مضمونة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون " مرجون " دون تلك الهمزة.. وهما لغتان، يقال أرجأته وأرجيته.. "
وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك :﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾.
والمعنى : ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك - يا محمد - قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله بحكمه العادل، فهو - سبحانه - " إما يعذبهم " بأن يميتهم بلا توبة ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أى : يقبل توبتهم.
وهذا الترديد الذي يدل عليه لفظ " إما "، إنما هو بالنسبة للناس، وإلا فالله - تعالى - عليم بما هو فاعله بهم.
والحكمة من إيهام أمرهم، إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم ؛ لأن التوبة عندما تجئ بعد ندم شديد، وتأديب نفسى.. تكون مرجوة القبول منه - سبحانه -.
وقوله ﴿والله عَلِيمٌ﴾ أى : والله - تعالى - عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم في أمورهم، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام.
قال الآلوسى : والمراد بهؤلاء " المرجون لأمر الله... " " كما جاء في الصحيحين : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كانوا قد تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك - فقعدوا في المدينة كسلا وميلا إلى الدعة - ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبى - ﷺ - وكان ما كان من أمر المتخلفين - قالوا : لا عذر لنا إلا الخطئية، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم، فأمر رسول الله - ﷺ - باجتنابهم.. إلى أن نزل قوله - تعالى - بعد ذلك :﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾.. ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾ فأمر - ﷺ - بخالطتهم، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة غيبته - ﷺ - عن المدينة خميسن ليلة، فلما تمتعوا بالراحة في تلك المدة مع تعب إخوانهم في السفر، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة ".
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك.
أما الطائفة الأولى فهى التي مردت على النفاق، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله :﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق..﴾ وأما الطائفة الثانية فهى التي سارعت إلى الاعتذار والاتراف بالذنب، فقبل الله توبتهم، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله :﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾.
وأما الطائفة الثالثة فهى التي لم تجد عذرا تعتذر به، فأوقف الله أمرهم إلى أن حكم بقبول توبتهم بعد خمسين ليلة، وقد عبر عنها - سبحانه - بقوله :﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ..﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى