جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَىَ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : لا تقم يا محمد في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون ضرارا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله. ثم أقسم جلّ ثناؤه فقال : لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ أحَقّ أنْ تَقُومَ أنت فيه. يعني بقوله : أُسّسَ على التّقْوَى ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته من أوّل يوم ابتدىء في بنائه أحَقّ أنْ تَقُومَ فِيهِ يقول : أولى أن تقوم فيه مصليا. وقيل : معنى قوله : مِنْ أوّلِ يَوْمٍ مبدأ أوّل يوم كما تقول العرب : لم أره من يوم كذا، بمعنى مبدؤه، ومن أوّل يوم يراد به من أول الأيام، كقول القائل : لقيت كلّ رجل، بمعنى كلّ الرجال.
واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه : لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ فقال بعضهم : هو مسجد رسول الله ﷺ الذي فيه منبره وقبره اليوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن إبراهيم بن طهمان، عن عثمان بن عبيد الله، قال : أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو ؟ مسجد المدينة، أو مسجد قباء ؟ قال : لا، مسجد المدينة.
قال : حدثنا القاسم بن عمرو العن قزي، عن الدراوردي، عن عثمان بن عبيد الله، عن ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد، قالوا : المسجد الذي أسس على التقوى : مسجد الرسول.
قال : حدثنا أبي، عن ربيعة بن عثمان، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال : سألت ابن عمر عن المسجد الذي أسس على التقوى ؟ قال : هو مسجد الرسول.
قال : حدثنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد، قال : هو مسجد النبي ﷺ.
قال : حدثنا أبي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد، قال : هو مسجد الرسول.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال : مرّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد، فقلت : كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى ؟ فقال لي : أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيت بعض نسائه، فقلت : يا رسول الله، أيّ مسجد الذي أسس على التقوى ؟ قال : فأخذ كفّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال :«هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا » هكذا سمعت أباك يذكره.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال : المسجد الذي أسس على التقوى : هو مسجد النبيّ الأعظم.
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب، قال : إن المسجد الذي أسس على التقوى من أوّل يوم، هو مسجد المدينة الأكبر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، قال : قال سعيد بن المسيب، فذكر مثله، إلا أنه قال : الأعظم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال : هو مسجد النبي ﷺ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد قال : أحسبه عن أبيه قال : مسجد النبي ﷺ الذي أسس على التقوى.
وقال آخرون : بل عني بذلك مسجد قباء، . ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ يعني مسجد قباء.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، نحوه.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية : لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ هو مسجد قباء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن صالح بن حَيّان، عن ابن بريدة، قال : مسجد قباء الذي أُسّس على التقوى، بناه نبيّ الله ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : المسجد الذي أسس على التقوى : مسجد قباء.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير : الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى، بنو عمرو بن عوف.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قالّ : هو مسجد الرسول ﷺ لصحة الخبر بذلك عن رسول الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قال أبو كريب : حدثنا وكيع، وقال ابن وكيع : حدثنا أبي، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس رجل من الأنصار، عن سهل بن سعد، قال : اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس في التقوى، فقال أحدهما : هو مسجد النبيّ وقال الآخر : هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله ﷺ، فسألاه، فقال :«هُوَ مَسْجِدِي ». هذا اللفظ لحديث أبي كريب، وحديث سفيان نحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو نعيم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبيّ بن كعب : أن النبي ﷺ سئل عن المسجد الذي أسس علي التقوى، فقال :«مَسْجِدِي هَذَا ».
حدثني يونس، قال : أخبرني ابن وهب، قال : ثني الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه، قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أوّل يوم، فقال رجل : هو مسجد قباء، وقال آخر : هو مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله :«هُوَ مَسْجِدِي هَذَا ».
حدثني بحر بن نصر الخولاني، قال : قرىء على شعيب بن الليث، عن أبيه، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري، قال : تمارى رجلان، فذكر مثله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني سجل بن محمد بن أبي يحيى، قال : سمعت عمي أنيس بن أبي يحيى يحدّث، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله ﷺ :«المَسْجِدُ الّذِي أُسّسَ على التّقْوَى مَسْجِدِي هَذَا، وفِي كُلّ خَيْرٌ ».
حدثني المثنى، قال : ثني الحماني، قال : حدثنا عبد العزيز، عن أنيس، عن أبيه، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ بنحوه.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا صفوان بن عيسى، قال : أخبرنا أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد : أن رجلاً من بني خدرة ورجلاً من بني عمرو بن عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري : هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العوفي : هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ وسألاه، فقال :«هُوَ مَسْجِدِي هَذَا، وفي كُلّ خَيْرٌ ».

القول في تأويل قوله تعالى : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا وَاللّهُ يُحِبّ المُطّهّرِينَ.


يقول تعالى ذكره : في حاضري المسجد الذي أسس على التقوى من أوّل يوم رجال يحبون أن ينظفوا مقاعدهم بالماء إذا أتوا الغائط والله يحبّ المتطهرين بالماء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال : لما نزل : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا قال رسول الله ﷺ :«ما الطّهُورُ الّذِي أثْنَى اللّهُ عَلَيْكُمْ ؟ » قالوا : يا رسول الله نغسل أثر الغائط.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال لأهل قباء :«إنّ اللّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثّنَاءَ في الطّهُورِ، فَمَا تَصْنَعُونَ ؟ » قالوا : إنا نغسل عنا أثر الغائط والبول.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : لما نزلت : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا قال النبي ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ ما هَذَا الطّهُورُ الّذِي أثْنَى اللّهُ عَلَيْكُمْ فِيهِ ؟ » قالوا : إنا نستطيب بالماء إذ جئنا من الغائط.
حدثني جابر بن الكردي، قال : حدثنا محمد بن سابق، قال : حدثنا مالك بن مِغْول، عن سيار أبي الحَكَم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال : قام علينا رسول الله ﷺ، فقال :«ألا أخْبِرُوني، فإنّ اللّهَ قَدْ أثُنَى عَلَيْكُمْ بالطّهُورِ خَيْرا » فقالوا : يا رسول الله إنا نجد عندنا مكتوبا في التوراة الاستنجاء بالماء.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن رافع، عن مالك بن مغول، قال : سمعت سيارا أبا الحكم غير مرّة، يحدّث عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال : لما قدم النبي ﷺ على أهل قباء قال :«إنّ اللّهَ قَدْ أثْنَى عَلَيْكُمْ بالطّهُورِ خَيْرا »، يعني قوله : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا قالوا : إنا نجده مكتوبا عندنا في التوراة : الاستنجاء بالماء.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا يحيى بن رافع، قال : حدثنا مالك بن مغول، عن سيار، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، قال : يحيى : ولا أعلمه إلا عن أبيه، قال : قال النبيّ ﷺ لأهل قباء :«إنّ اللّهَ قَدْ أثْنَى عَلَيْكُمْ في الطّهُورِ خَيْرا » قالوا : إنا نجده مكتوبا علينا في التوراة : الاستنجاء بالماء. وفيه نزلت : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا.
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري، قال : حدثنا أبو أويس المدني، عن شرحبيل بن سعد، عن عويم بن ساعدة وكان من أهل بدر، قال : قال رسول الله ﷺ لأهل قباء :«إنّي أسْمَع اللّهَ قَدْ أثْنَى عَلَيْكُمْ الثّنَاءَ في الطّهُورِ، فَمَا هَذَا الطّهُورِ ؟ » قالوا : يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أن جيرانا لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا محمد بن سعيد، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال : سمعت خزيمة بن ثابت يقول : نزلت هذه الآية : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا وَاللّه يحبّ المُطّهّرَينَ قال : كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي ليلى، عن عامر، قال : كان ناس من أهل قباء يستنجون بالماء، فنزلت : فِيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا وَاللّه يُحِبّ المُطّهّرَينَ.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا شبابة بن سوار، عن شعبة، عن مسلم ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى