التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
بين - سبحانه - أنه لا يتسوى من أسس بنيانه على الحق، ومن أسس نبيانه على الباطل فقال :﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
قال صاحب الكشاف : قرئ أَسَّسَ بنيانَه، وأُسِسّ بنيانهُ على البناء للفاعل والمفعول. والشفا. الحرف والشفير. وحرف الوادى : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على التهدم - وهار صفة لجرف، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط.
والمعنى : أفمن أسس بنيان دنيه على قاعدة قوية محكمة، وهى الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه ﴿خَيْرٌ أَم مَّنْ﴾ أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ في قلة الثبات والاستمساك.
وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى، لأنه جعل مجازاً عما ينافى التقوى.
فإن قلت : فما معنى قوله :﴿فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل : فانهار به في نار جهنم، على معنى : فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه شح المجاز فجئ بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليتصور أن المبطل كأنه اسس بنيانه على شفا جرف من اودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل منه على حقيقة الباطل ولكنه أمره.
وقال صاحب المنار ما ملخصه : والمراد بالمثل هنا ببيان ثبات الحق الذي هو دين الإِسلام وقوته، ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره باثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله، وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله.
وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات، وذكر من وصف الفريق الثانى - وهم المنافقون - الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن.
وقوله :﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أى مضت سنة الله - تعالى - في خلقه أنه - سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير، أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١- وجوب بناء المسجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإِسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله.
قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أن هلا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية والمشهبة والمجبرة.
وقال الزمشخرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار.
وعن عطاء : لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أمر المسلمين أن يبينوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه.
٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - :﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ...﴾ وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله - ﷺ يزوروه راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين.
ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي اسس من أول على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك.
قال الإِمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ﷺ - الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح.
ولا منافة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - بطريق الأولى والأحرى ".
٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله - تعالى - فقد قال - تعالى - :﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ما جاء " عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - ﷺ - إلى عويم بن مساعدة فقال له :" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليه به " ؟
فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. فقال - ﷺ - :" هو هذا " ".
٤- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء. والتنزه عن ملابسة القاذورات.
قال صاحب الكشاف : قرئ أَسَّسَ بنيانَه، وأُسِسّ بنيانهُ على البناء للفاعل والمفعول. والشفا. الحرف والشفير. وحرف الوادى : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على التهدم - وهار صفة لجرف، أى جرف موصوف بأنه هائر أى متساقط.
والمعنى : أفمن أسس بنيان دنيه على قاعدة قوية محكمة، وهى الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه ﴿خَيْرٌ أَم مَّنْ﴾ أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ في قلة الثبات والاستمساك.
وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى، لأنه جعل مجازاً عما ينافى التقوى.
فإن قلت : فما معنى قوله :﴿فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل : فانهار به في نار جهنم، على معنى : فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه شح المجاز فجئ بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليتصور أن المبطل كأنه اسس بنيانه على شفا جرف من اودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدل منه على حقيقة الباطل ولكنه أمره.
وقال صاحب المنار ما ملخصه : والمراد بالمثل هنا ببيان ثبات الحق الذي هو دين الإِسلام وقوته، ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره باثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله، وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله.
وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات، وذكر من وصف الفريق الثانى - وهم المنافقون - الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار. وهذا من دقائق إيجاز القرآن.
وقوله :﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أى مضت سنة الله - تعالى - في خلقه أنه - سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير، أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها.
١- وجوب بناء المسجد على تقوى من الله ورضوان، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس، كانت محل القبول والثواب من الله، أما إذا بنيت لأى مقصد يتنافى مع آداب الإِسلام وأحكامه وتشريعاته، فإنها تكون بعيدة عن رضا الله - تعالى - وقبوله.
قال بعض العلماء، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار، أن هلا حكم له ولا حركة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضى بالله - الخليفة العباسى - كثيرا من مساجد الباطنية والمشهبة والمجبرة.
وقال الزمشخرى : قيل كل مسجد بنى مباهاة أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار.
وعن عطاء : لما فتح الله. تعالى. الأمصار على عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أمر المسلمين أن يبينوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه.
٢- أن مسجد قباء هو المقصود بقوله - تعالى - :﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ...﴾ وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عنه، وفى بيان أحقية الصلاة فيه، وقد كان رسول الله - ﷺ يزوروه راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين.
ولا منافاة بين كون مسجد قباء هو المقصود هنا، وبين الأحاديث التي وردت في أن المسجد الذي اسس من أول على تقوى من الله ورضوان، هو المسجد النبوى، لأن كليهما قد أسس على ذلك.
قال الإِمام ابن كثير : وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف منهم ابن عباس، وعروة بن الزبير، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله - ﷺ - الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح.
ولا منافة بين الآية وبين هذا، أنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله - ﷺ - بطريق الأولى والأحرى ".
٣- أن المحافظة على الطهارة من الصفات التي يحبها الله - تعالى - فقد قال - تعالى - :﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين﴾.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها : ما جاء " عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية، بعث رسول الله - ﷺ - إلى عويم بن مساعدة فقال له :" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليه به " ؟
فقال : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه. فقال - ﷺ - :" هو هذا " ".
٤- كذلك يؤخذ من الآيات الكريمة، استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحة، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء. والتنزه عن ملابسة القاذورات.