غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿فيقتلون﴾ مبنياً للمفعول ﴿ويقتلون﴾ مبنياً للفاعل : حمزة علي وخلف الآخرون على العكس. ﴿ويقتلون﴾ بالتشديد : أبو عون عن قنبل. ﴿إبراهام﴾ وكذلك ما بعده : هشام ﴿يزيغ﴾ بياء الغيبة. حمزة وحفص والمفضل. والباقون بتاء التأنيث. ﴿خلفوا﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس. الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف :﴿الجنة﴾ ط ﴿ويقتلون﴾ ط ﴿القرآن﴾ ط ﴿بايعتهم به﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿لحدود الله﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿إياه﴾ ط ﴿منه﴾ ط ج ﴿حليم﴾ ه ط ﴿ما يتقون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿والأرض﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿نصير﴾ ه ﴿تاب عليهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿خلفوا﴾ ط ﴿إلا إليه﴾ ط ﴿ليتوبوا﴾ ط ﴿الرحيم﴾ ه ﴿الصادقين﴾ ه.
التفسير : لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والتغريب فيه فقال :﴿إن الله اشترى﴾ الآية. قال محمد بن كعب القرظي : لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : الجنة، قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت ﴿إن الله اشترى﴾ الآية. قال مجاهد والحسن ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم. وقال جعفر الصادق عليه السلام : والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها. واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه. ولهذا قال الحسن : اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها. والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع. وهاهنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات. وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة إلى الدرجات العاليات ؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ وفي قوله ﴿يقاتلون﴾ معنى الأمر كقوله ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾
[الصف: ١١] وهو كالتفسير لتلك المبايعة ﴿فيقتلون ويقتلون﴾ أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين. ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان. ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله :﴿يقاتلون﴾. والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال ﷺ لعلي عليه السلام :«لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس » ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال :«هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به » قوله ﴿وعداً عليه﴾ قال الزجاج : إنه منصوب بمعنى قوله :﴿بأن لهم الجنة﴾ كأنه قيل : وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله ﴿حقاً﴾ أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل ﴿في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ قيل : وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل : ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل : الأمر بالقتال ﴿ومن أوفى﴾ استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد ﴿من الله﴾ لأنه الغني عن كل الحاجات القدر على كل المقدورات. وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله :﴿إن الله اشترى﴾ وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً. ومنها أنه قال ﴿بأن لهم الجنة﴾ بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة. ومنها قوله ﴿وعداً﴾ و﴿إنه لا يخلف الميعاد﴾. ومنها قوله ﴿عليه﴾ وكلمة «على » للوجوب ظاهراً. ومنها قوله :﴿حقاً﴾ وهو تأكيد التحقيق. ومنها قوله :﴿في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة. ومنها قوله :﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف البتة. ومنها قوله :﴿فاستبشروا﴾ والبشارة الخبر الصدق الأول. ومنها قوله :﴿وذلك هو الفوز﴾ ثم وصف الفوز ب ﴿العظيم﴾ واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه : أحدها ﴿ذلك الفوز﴾ بغير «هو » وإنه في ستة مواضع : في «براءة » موضعان، وفي «النساء والمائدة والصف والتغابن » وما في «النساء » بزيادة واو. والآخر ﴿وذلك هو الفوز﴾ بزيادة «هو » وذلك في ستة مواضع أخرى في «براءة » موضعان و«يونس » و«المؤمن » و«الدخان » و«الحديد » وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في «المؤمن ». وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها. وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة. وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد. وكذلك في «المؤمن » وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية ﴿فاغفر﴾ ﴿وقهم﴾ ﴿وأدخلهم﴾ قال أبو القاسم البلخي : لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله تعالى للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿إن الله اشترى﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة. ﴿التائبون﴾ عما سوى الله ﴿العابدون﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿الحامدون﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿السائحون﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿الراكعون﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿الساجدون﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿الآمرون بالمعروف﴾ الحقيقي ﴿الناهون﴾ عما سواه ﴿والحافظون لحدود الله﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره. ﴿ما كان للنبي﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ الأواه هو المتبرئ من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق. ﴿حليم﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال ﷺ لجبرائيل حين سأله ألك حاجة : أما إليك فلا ﴿وما كان الله ليضل قوماً﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿بعد إذ هداهم﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿حتى يبين لهم ما يتقون﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول : إن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال. ﴿إن الله له ملك السموات﴾ سموات القلوب ﴿والأرض﴾ أرض النفوس ﴿يحيي﴾ بنور ربوبيته ﴿من يشاء ويميت﴾ عن صفات بشريته ﴿من يشاء ومالكم من دون الله من ولي﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي ﷺ على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿الذين اتبعوه في ساعة﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها. أو نقول ﴿لقد تاب الله﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿والأنصار﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿الذين اتبعوه في ساعة﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل. ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿حتى إذا ضاقت عليهم﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ثم تاب عليهم﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.

القراءات :﴿فيقتلون﴾ مبنياً للمفعول ﴿ويقتلون﴾ مبنياً للفاعل : حمزة علي وخلف الآخرون على العكس. ﴿ويقتلون﴾ بالتشديد : أبو عون عن قنبل. ﴿إبراهام﴾ وكذلك ما بعده : هشام ﴿يزيغ﴾ بياء الغيبة. حمزة وحفص والمفضل. والباقون بتاء التأنيث. ﴿خلفوا﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس. الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف :﴿الجنة﴾ ط ﴿ويقتلون﴾ ط ﴿القرآن﴾ ط ﴿بايعتهم به﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿لحدود الله﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿إياه﴾ ط ﴿منه﴾ ط ج ﴿حليم﴾ ه ط ﴿ما يتقون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿والأرض﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿نصير﴾ ه ﴿تاب عليهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿خلفوا﴾ ط ﴿إلا إليه﴾ ط ﴿ليتوبوا﴾ ط ﴿الرحيم﴾ ه ﴿الصادقين﴾ ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى