فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم، وفرّع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه، وذكر الشراء تمثيل، كما في قوله :﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء، وأصل الشراء بين العباد هو : إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه، أو أنفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين، أي : بأن يكونوا من جملة أهل الجنة، وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم، وهي أنفس الأعلاق، والجود بها غاية الجود :
يجود بالنفس أن ضنّ الجبان بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود
وجاد الله عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد، ويتوسلون إليه بالأعمال ؛ والمراد بالأنفس هن : أنفس المجاهدين، وبالأموال : ما ينفقونه في الجهاد. قوله :﴿يقاتلون فِي سَبِيلِ الله﴾ بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور، كأنه قيل : كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة ؟ فقيل : يقاتلون في سبيل الله، ثم بيّن هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله :﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ والمراد أنهم : يقدمون على قتل الكفار في الحرب، ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد، والتعرّض للموت بالإقدام على الكفار. قرأ الأعمش، والنخعي، وحمزة، والكسائي وخلف بتقديم المبنيّ للمفعول على المبنيّ للفاعل. وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول. وقوله :﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي التوراة والإنجيل والقرآن﴾ إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن، وانتصاب وعداً وحقاً على المصدرية أو الثاني : نعت للأوّل، وفي التوراة متعلق بمحذوف : أي وعداً ثابتاً فيها.
قوله :﴿وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله﴾ في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد، والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال، ما لا يخفى، فإنه أوّلاً أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم، بأن لهم الجنة، وجاء بهذه العبارة الفخيمة، وهي كون الجنة قد صارت ملكاً لهم، ثم أخبر ثانياً بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزّلة، ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق، لا بدّ من حصول الموعود به، فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، ثم زادهم سروراً وحبوراً، فقال :﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ أي : أظهروا السرور بذلك، والبشارة هي إظهار السرور، وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال : أسارير الوجه : أي التي يظهر فيها السرور.
وقد تقدّم إيضاح هذا، والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله. والمعنى : أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عزّ وجلّ، فقد ربحتم فيه ربحاً لم يربحه أحد من الناس، إلا من فعل مثل فعلكم، والإشارة بقوله :﴿ذلك﴾ إلى الجنة، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة، ووصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظم، يدل على أنه فوز لا فوز مثله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقيل : إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله :﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب﴾. وقيل : إن الواو زائدة. وقيل : هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة، كما في قوله تعالى :﴿ثيبات وَأَبْكَاراً﴾ وقوله :﴿وَفُتِحَتْ أبوابها﴾، وقوله :﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقد أنكروا الثمانية، أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ الموصوفين بالصفات السابقة.
وقد أخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره قالوا : قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال :«أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم»، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال :«الجنة»، قال : ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت :﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال : أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو في المسجد ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾ فكبر الناس في المسجد، فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه، فقال : يا رسول الله، أنزلت هذه الآية ؟ قال :«نعم»، فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقيل، ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار : أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا ينازعوا في الأمر أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم. قالوا : نعم ؛ قال قائل الأنصار : نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا ؟ قال :«الجنة» وأخرجه ابن سعد أيضاً من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدلّ على أنها سبب نزول الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال : من مات على هذه التسع، فهو في سبيل الله ﴿التائبون العابدون﴾ إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال : الشهيد من كان له التسع الخصال المذكورة في هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه قال : العابدون الذين يقيمون الصلاة.
وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضاً قال : قال رسول الله ﷺ :«أوّل من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء». وأخرج ابن جرير، عن عبيد بن عمير، قال : سئل النبي ﷺ عن السائحين، فقال :«هم الصائمون» وأخرج الفريابي، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان، من طريق عبيد بن عمير، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعاً مثله. وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أصح من المرفوع من طريقه، وحديث عبيد بن عمير مرسل، وقد أسنده من طريق أبي هريرة في الرواية الثانية. وقد روي من قول جماعة من الصحابة مثل هذا : منهم عائشة عند ابن جرير، وابن المنذر، ومنهم ابن عباس عند ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، ومنهم ابن مسعود، عند هؤلاء المذكورين قبله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي أمامة أنّ رجلاً استأذن رسول الله ﷺ في السياحة فقال :«إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» وصححه عبد الحق. وأخرج أبو الشيخ، عن الربيع، في هذه الآية قال : هذه أعمال قال فيها أصحاب النبي ﷺ : إن الله قضى على نفسه في التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن المنذر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة. قال : وقال ابن عباس : من مات وفيه تسع، فهو شهيد، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم﴾ يعني : بالجنة، ثم قال :﴿التائبون﴾ إلى قوله :﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ يعني : القائمين على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد، وإذا وفوا لله بشرطه وفى لهم بشرطهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى