غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فيقتلون﴾ مبنياً للمفعول ﴿ويقتلون﴾ مبنياً للفاعل : حمزة علي وخلف الآخرون على العكس. ﴿ويقتلون﴾ بالتشديد : أبو عون عن قنبل. ﴿إبراهام﴾ وكذلك ما بعده : هشام ﴿يزيغ﴾ بياء الغيبة. حمزة وحفص والمفضل. والباقون بتاء التأنيث. ﴿خلفوا﴾ بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس. الباقون بالتشديد مجهولاً.
الوقوف :﴿الجنة﴾ ط ﴿ويقتلون﴾ ط ﴿القرآن﴾ ط ﴿بايعتهم به﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿لحدود الله﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿إياه﴾ ط ﴿منه﴾ ط ج ﴿حليم﴾ ه ط ﴿ما يتقون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿والأرض﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿نصير﴾ ه ﴿تاب عليهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿خلفوا﴾ ط ﴿إلا إليه﴾ ط ﴿ليتوبوا﴾ ط ﴿الرحيم﴾ ه ﴿الصادقين﴾ ه.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ الآية. ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها. فالسؤال الأول : أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم. الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب الأولى. والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي ﷺ بقوله :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله سبحانه أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص. ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب. السؤال الثاني : ما المراد بساعة العسرة ؟ فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته. والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فرثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿لا تنفروا في الحر﴾ [التوبة: ٨١] وقال أبو مسلم : يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله تعالى في غزوة الخندق ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠] الثالث : ما معنى ﴿كاد يزيغ﴾ وكيف إعرابه ؟ والجواب هما استعمالان : كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد. معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر. وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل : قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان. وقيل : هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا. وقيل : ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية. الرابع : ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله :﴿ثم تاب عليهم﴾ ؟ الجواب إن عاد الضمير في ﴿عليهم﴾ إلى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا : عفوت عنك ثم عفوت عنك. وإليه الإشارة بقوله :ﷺ :«إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة ». وقال ابن عباس في تفسير قوله :﴿ثم تاب عليهم﴾ يريد ازداد عنهم رضا. ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة. أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿إن الله اشترى﴾ في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما ﴿اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة. ﴿التائبون﴾ عما سوى الله ﴿العابدون﴾ المتوجهون إليه على قدم العبودية ﴿الحامدون﴾ له على ما وفقهم لنعمة طلبه ﴿السائحون﴾ السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي ﴿الراكعون﴾ أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم ﴿الساجدون﴾ الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم ﴿الآمرون بالمعروف﴾ الحقيقي ﴿الناهون﴾ عما سواه ﴿والحافظون لحدود الله﴾ لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره. ﴿ما كان للنبي﴾ فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ الأواه هو المتبرئ من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق. ﴿حليم﴾ عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال ﷺ لجبرائيل حين سأله ألك حاجة : أما إليك فلا ﴿وما كان الله ليضل قوماً﴾ ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد ﴿بعد إذ هداهم﴾ إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد ﴿حتى يبين لهم ما يتقون﴾ من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول : إن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال. ﴿إن الله له ملك السموات﴾ سموات القلوب ﴿والأرض﴾ أرض النفوس ﴿يحيي﴾ بنور ربوبيته ﴿من يشاء ويميت﴾ عن صفات بشريته ﴿من يشاء ومالكم من دون الله من ولي﴾ فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي ﷺ على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﴿الذين اتبعوه في ساعة﴾ عسرة الدنيا وترك شهواتها. أو نقول ﴿لقد تاب الله﴾ أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد ﴿والأنصار﴾ من القلب والنفس وصفاتهما ﴿الذين اتبعوه في ساعة﴾ رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل. ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء ﴿حتى إذا ضاقت عليهم﴾ أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ﴿ثم تاب عليهم﴾ بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
الوقوف :﴿الجنة﴾ ط ﴿ويقتلون﴾ ط ﴿القرآن﴾ ط ﴿بايعتهم به﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿لحدود الله﴾ ط ﴿المؤمنين﴾ ه ﴿الجحيم﴾ ه ﴿إياه﴾ ط ﴿منه﴾ ط ج ﴿حليم﴾ ه ط ﴿ما يتقون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿والأرض﴾ ط ﴿ويميت﴾ ط ﴿نصير﴾ ه ﴿تاب عليهم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ط للعطف على النبي ﴿خلفوا﴾ ط ﴿إلا إليه﴾ ط ﴿ليتوبوا﴾ ط ﴿الرحيم﴾ ه ﴿الصادقين﴾ ه.
ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ الآية. ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها. فالسؤال الأول : أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم. الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب الأولى. والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي ﷺ بقوله :﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله سبحانه أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص. ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب. السؤال الثاني : ما المراد بساعة العسرة ؟ فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته. والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فرثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون ﴿لا تنفروا في الحر﴾ [التوبة: ٨١] وقال أبو مسلم : يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله تعالى في غزوة الخندق ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠] الثالث : ما معنى ﴿كاد يزيغ﴾ وكيف إعرابه ؟ والجواب هما استعمالان : كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد. معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر. وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل : قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان. وقيل : هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا. وقيل : ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية. الرابع : ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله :﴿ثم تاب عليهم﴾ ؟ الجواب إن عاد الضمير في ﴿عليهم﴾ إلى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا : عفوت عنك ثم عفوت عنك. وإليه الإشارة بقوله :ﷺ :«إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة ». وقال ابن عباس في تفسير قوله :﴿ثم تاب عليهم﴾ يريد ازداد عنهم رضا. ثم أكد هذه المعاني بقوله ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾ فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة. أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة.