جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُواْ حَتّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنّوَاْ أَن لاّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ﴾.
يقول تعالى ذكره : لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤه : وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إمّا يُعَذّبَهُمْ وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فتاب عليهم عزّ ذكره وتفضل عليهم. وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام إذًا : ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلّفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله ﷺ. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة، في قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : خلفوا عن التوبة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، أما قوله : خُلّفُوا فخلّفوا عن التوبة.
حتى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول : بسعتها غمّا وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ. وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ بما نالهم من الوجد والكرب بذلك. وَظَنّوا أنْ لا مَلْجَأَ يقول : وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله ﷺ ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه. أنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحيمُ يقول : إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحبّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، في قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : قال : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار.
حدثني عبيد بن الورّاق، قال : حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه، إلا أنه قال : ومرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : أُرجئوا في أوسط براءة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : الذين أرجئوا في أوسط براءة، قوله : وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْر اللّهِ هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا الذين أرجئوا في وسط براءة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : كلهم من الأنصار : هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : الذين أرجئوا.
قال : حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم أنصار.
قال : حدثنا أبو خالد الأحمر والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : كلهم من الأنصار : هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع كلهم من الأنصار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا. . . إلى قوله : ثُمّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، إنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال : لا أطلقها أو لا أطلق نفسي حتى يطلقني رسول الله ﷺ فقال رسول الله :«واللّهِ لا أُطْلِقُهُ حتى يُطْلِقَهُ رَبّهُ إنْ شاءَ ». وأما الاَخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله صدقة في سبيل الله، وقال : والله لا أطعمه وأما الاَخر فركب المفاوز يتبع رسول الله ترفعه أرض وتضعه أخرى، وقدماه تشلشلان دما.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك، قال : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة.
قال : حدثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا ابن عون، عن عمر بن كثير بن أفلح، قال : قال كعب بن مالك : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعب بن مالك : لما خرج رسول الله ﷺ قلت : أتجهز غدا ثم ألحقه فأخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ فلما كان اليوم الثالث أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت : هيهات، سار الناس ثلاثا فأقمت. فلما قدم رسول الله ﷺ جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه فقلت : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة. فأعرض عني رسول الله ﷺ، فأمر الناس أن لايكلمونا، وأمرت نساؤنا أن يتحوّلن عنا. قال : فتسوّرت حائطا ذات يوم فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت : أي جابر، نشدتك بالله هل علمتني غششت الله ورسوله يوما قطّ ؟ فسكت عني، فجعل لا يكلمني. فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلاً على الثنيّةِ يقول : كعب كعب حتى دنا مني، فقال : بشّروا كعبا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال : غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، صالحهم رسول الله ﷺ على الجزية. ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله : لَقَدْ تابَ اللّهُ على النّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ. . . الآية، والثلاثة الذين خلفوا : رهط منهم : كعب بن مالك وهو أحد بني سلمة، ومرارة بن ربيعة وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية وهو من بني واقف. وكانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلاً فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صدَقه أولئك حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله ﷺ ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكلهم في سرائرهم إلى الله. ونُهي رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خلفوا، وقال لهم حين حدّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم :«قَدْ صَدَقْتُمْ فَقُومُوا حتى يَقْضِيَ اللّهُ فِيكُمْ » فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين : سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ. . . حتى بلغ : لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ. قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. فكان من خبري حين تخلفت عن النبيّ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوّا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبيّ ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا يظنّ أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعر. فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فلم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يقدرّ ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبيّ ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :«ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالكٍ ؟ » فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه بُرْداه والنظر في عطفيه. فسكت رسول الله ﷺ. فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ :«كُنْ أبا خَيْثَمَةَ » فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدّق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت ص

تفسير هذه الآية من كتب أخرى