محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١٨ من سورة التوبة في ١١٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١٨ من سورة التوبة

١١٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُواْ حَتّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنّوَاْ أَن لاّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ﴾.
يقول تعالى ذكره : لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤه : وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إمّا يُعَذّبَهُمْ وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فتاب عليهم عزّ ذكره وتفضل عليهم. وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام إذًا : ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلّفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله ﷺ. كما :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة، في قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : خلفوا عن التوبة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، أما قوله : خُلّفُوا فخلّفوا عن التوبة.
حتى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول : بسعتها غمّا وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ. وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ بما نالهم من الوجد والكرب بذلك. وَظَنّوا أنْ لا مَلْجَأَ يقول : وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله ﷺ ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه. أنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحيمُ يقول : إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحبّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، في قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : قال : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار.
حدثني عبيد بن الورّاق، قال : حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه، إلا أنه قال : ومرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : أُرجئوا في أوسط براءة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : الذين أرجئوا في أوسط براءة، قوله : وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْر اللّهِ هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا الذين أرجئوا في وسط براءة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : كلهم من الأنصار : هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
قال : حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : الذين أرجئوا.
قال : حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم أنصار.
قال : حدثنا أبو خالد الأحمر والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : كلهم من الأنصار : هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع كلهم من الأنصار.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا. . . إلى قوله : ثُمّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، إنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال : لا أطلقها أو لا أطلق نفسي حتى يطلقني رسول الله ﷺ فقال رسول الله :«واللّهِ لا أُطْلِقُهُ حتى يُطْلِقَهُ رَبّهُ إنْ شاءَ ». وأما الاَخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله صدقة في سبيل الله، وقال : والله لا أطعمه وأما الاَخر فركب المفاوز يتبع رسول الله ترفعه أرض وتضعه أخرى، وقدماه تشلشلان دما.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك، قال : الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا : هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة.
قال : حدثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة : وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال : هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا ابن عون، عن عمر بن كثير بن أفلح، قال : قال كعب بن مالك : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعب بن مالك : لما خرج رسول الله ﷺ قلت : أتجهز غدا ثم ألحقه فأخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ فلما كان اليوم الثالث أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت : هيهات، سار الناس ثلاثا فأقمت. فلما قدم رسول الله ﷺ جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه فقلت : ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة. فأعرض عني رسول الله ﷺ، فأمر الناس أن لايكلمونا، وأمرت نساؤنا أن يتحوّلن عنا. قال : فتسوّرت حائطا ذات يوم فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت : أي جابر، نشدتك بالله هل علمتني غششت الله ورسوله يوما قطّ ؟ فسكت عني، فجعل لا يكلمني. فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلاً على الثنيّةِ يقول : كعب كعب حتى دنا مني، فقال : بشّروا كعبا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال : غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، صالحهم رسول الله ﷺ على الجزية. ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله : لَقَدْ تابَ اللّهُ على النّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ. . . الآية، والثلاثة الذين خلفوا : رهط منهم : كعب بن مالك وهو أحد بني سلمة، ومرارة بن ربيعة وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية وهو من بني واقف. وكانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلاً فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صدَقه أولئك حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله ﷺ ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكلهم في سرائرهم إلى الله. ونُهي رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خلفوا، وقال لهم حين حدّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم :«قَدْ صَدَقْتُمْ فَقُومُوا حتى يَقْضِيَ اللّهُ فِيكُمْ » فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين : سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ. . . حتى بلغ : لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ. قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. فكان من خبري حين تخلفت عن النبيّ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوّا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبيّ ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا يظنّ أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعر. فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فلم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يقدرّ ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبيّ ﷺ يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :«ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالكٍ ؟ » فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه بُرْداه والنظر في عطفيه. فسكت رسول الله ﷺ. فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضا يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ :«كُنْ أبا خَيْثَمَةَ » فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدّق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت ص
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار) = (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا)، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم) [سورة التوبة: ١٠٦]، فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم.
وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمَّن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما:-
١٧٤٣١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: خُلِّفوا عن التوبة.
١٧٤٣٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أما قوله: (خلفوا)، فخلِّفوا عن التوبة.
* * *
(حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت)، يقول: بسعتها، (٢) غمًّا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ = (وضاقت عليهم أنفسهم)، بما نالهم من الوَجْد والكرْب بذلك = (وظنوا أن لا ملجأ)، يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجأون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء، (٣)
(١) انظر ما سلف ص: ٤٦٤ - ٤٦٧.
(٢) انظر تفسير " رحب " فيما سلف. ص: ١٧٩.
(٣) انظر تفسير " الظن " فيما سلف ٢: ١٧ - ٢٠، ٢٦٥ / ٥: ٣٥٢.
= وتفسير " الملجأ " فيما سبق ص: ٢٩٨.
بتخلفهم خِلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله، إلا الله، ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه = (إن الله هو التواب الرحيم)، يقول: إن الله هو الوهّاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفقُ من أحبَّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه = (الرحيم)، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبةَ والإنابةَ ولا يتوب عليه. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٤٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. (٢)
١٧٤٣٤- حدثني عبيد بن محمد الوراق قال، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه = إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع، أو: ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة. (٣)
(١) انظر تفسير " التواب "، " والرحيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (ثوب)، (رحم).
(٢) الأثر: ١٧٤٣٣ - " مرارة بن ربيعة "، المشهور: " مرارة بن الربيع "، ولكنه هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة هنا. ثم جاء في الأخبار التالية " الربيع ". وقد مضى مثل هذا الاختلاف وأشد منه فيما سلف في التعليق على رقم ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، ١٧١٨٣. وذكر ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٦٤، وذكر هذا الخبر فقال: " وكذا في مسلم: ربيعة، في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع ".
(٣) الأثر: ١٧٤٣٤ - " عبيد بن محمد الوراق "، هو " عبيد بن محمد بن القاسم بن سليمان بن أبي مريم "، " أبو محمد الوراق النيسابوري "، سكن بغداد، وحدث بها عن موسى بن هلال العبدي وأبي النضر هاشم بن القاسم، والحسن بن موسى الأشيب، ويعقوب بن محمد الزهري، وبشر بن الحارث. كان ثقة، مات سنة ٢٥٥، ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد ١١: ٩٧، وروى عنه الطبري في موضعين من تاريخه ٢: ٢٠٢، ٢٥٠، روى عن روح بن عبادة.
وكان في المطبوعة: " عبيد بن الوراق "، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتب " عبيد بن محمد " كلمة واحدة مشتبكة الحروف.
وأما " مرارة بن الربيع " أو " ابن ربيعة "، فانظر التعليق السالف.
١٧٤٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: أرْجئوا، في أوسط "براءة".
١٧٤٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (الثلاثة الذين خلفوا)، قال: الذين أرجئوا في أوسط "براءة"، قوله: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ)، [سورة التوبة: ١٠٦] هلال بن أمية، ومرارة بن رِبْعيّ، وكعب بن مالك. (١)
١٧٤٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، الذين أرجئوا في وسط "براءة".
١٧٤٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
١٧٤٣٩-...... قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: الذين أرجئوا.
١٧٤٤٠-...... قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: (الثلاثة الذين خلفوا)، كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أمية، وكلهم أنصاريّ. (٢)
١٧٤٤١-...... قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.
(١) الأثر: ١٧٤٣٦ - " مرارة بن ربعي "، هكذا في المخطوطة كما أثبته، وفي المطبوعة " ابن ربيعة " ولكن هكذا، جاء هنا، كالذي مضى في رقم: ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، فانظر التعليق هناك.
(٢) في المطبوعة: " أنصار "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
١٧٤٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كلهم من الأنصار.
١٧٤٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، إلى قوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال: لا أطلقها = أو لا أطلق نفسي (١) = حتى يُطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال رسول الله: والله لا أطلقه حتى يطلقه ربُّه إن شاء! وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، (٢) فجعله صدقة في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمه! وأما الآخر فركب المفاوز يتبع رسول الله، ترفعه أرض وتَضَعه أخرى، وقدماه تَشَلْشَلان دمًا. (٣)
١٧٤٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: (الثلاثة الذين خلفوا)، هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة.
١٧٤٤٥-...... قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، قال: هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك.
١٧٤٤٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون،
(١) في المطبوعة: " لا أطلقها، أو لا أطلق نفسي "، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) " الحائط "، هو البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. ويقال لها أيضا " حديقة "، لإحداق سوره بها. فإذا لم يكن عليها حائط، فهي " ضاحية "، لبروزها للعين. و " أدرك الثمر "، أي بلغ نضجه.
(٣) " تشلشلان "، " تتشلشلان "، على حذف إحدى التائين. " تشلشل الماء والدم "، إذا تبع قطران بعضه بعضا في سيلانه متفرقا.
عن عمر بن كثير بن أفلح قال: قال كعب بن مالك: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغَزاة! قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله ﷺ قلت: "أتجهز غدًا ثم ألحقه"، فأخذت في جَهازي، فأمسيت ولم أفرغ. فلما كان اليوم الثالث، أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت: هيهات! سار الناس ثلاثًا! فأقمت. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة! فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس أن ألا يكلمونا، وأمِرَتْ نساؤنا أن يتحوَّلن عنَّا. قال: فتسوَّرت حائطا ذات يوم، فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت: أيْ جابر! نشدتك بالله، هل علمتَني غششت الله ورسوله يومًا قطُّ؟ فسكت عني فجعل لا يكلمني. (١) فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلا على الثنيَّة يقول: كعب! كعب! حتى دنا مني، فقال: بشِّروا كعبًا. (٢)
١٧٤٤٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وفد أذْرُح ووفد أيلة، فصَالحهم رسول الله ﷺ على الجزية، ثم قَفَل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة)، الآية،
(١) انظر " جعل "، وأنها من حروف الاستعانة فيما سلف ١١: ٢٥٠، في كلام الطبري، والتعليق هناك رقم: ١، والتعليق على الأثر رقم: ١٣٨٦٢.
(٢) الأثر: ١٧٤٤٦ - " عمر بن كثير بن أفلح المدني "، مولى أبي أيوب الأنصاري، ثقة، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وكأنه لم يصح عنده لقيه للصحابة. وذكر غيره أنه روى عن كعب بن مالك. وابن عمر، وسفينة. ومضى برقم: ١٢٢٢٣.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٤: ٤٥٤، ٤٥٥، من هذه الطريق نفسها بنحوه.
والثلاثة الذين خلفوا: رَهْطٌ منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سَلِمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا. فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صَدَقه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسول الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حين حدَّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: قد صدقتم، فقوموا حتى يقضى الله فيكم. فلما أنزل الله القرآن، تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم)، حتى بلغ: (لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) [سورة التوبة: ٩٥، ٩٦].
= قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عَمي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتبْ أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرَ في الناس منها. (١)
= فكان من خبري حين تخلفت عن النبي ﷺ في غزوة تبوك،
(١) قوله: " أذكر " أي أشهر ذكرا.
أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبي ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك: الديوان = قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى، ما لم ينزل فيه وَحْيٌ من الله. وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعَرُ. (١) فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، [فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: "أنا قادر على ذلك إذا أردت! "، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى استمرّ بالناس الجدُّ. فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه]، (٢) ولم أقض من جَهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى [بي]، (٣) حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ، (٤) وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يُقْدَر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي ﷺ يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلا مغموصًا عليه في النفاق، (٥) أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرْداه، والنظر في عِطْفيْه! (٦) [فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا] ! (٧) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو على ذلك، رأى رجلا مُبَيِّضًا يزول به السرابُ، (٨) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة! فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. (٩)
= قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجَّه قافلا من تبوك، حضرني بثِّي، (١٠) فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: "بم أخرج من سَخَطه غدًا"؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: "إن رسول الله ﷺ قد أظَلّ قادمًا! "، زاح عني الباطل، (١١) حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه، (١٢) وصَبح رسول الله ﷺ قادمًا، (١٣) وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا
(١) " أصعر "، أي: أميل، على وزن " أفعل " التفضيل، وأصله من " الصعر " (بفتحتين)، وهو ميل في الوجه، كأنه يلتفت إليه شوقا.
(٢) الذي بين القوسين ساقط من المخطوطة، وأثبته من رواية مسلم في صحيحه. وكان في المطبوعة: "... لكي أتجهز معهم، فلم أقضي من جهازي شيئا "، أما المخطوطة، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ قد أسقط من الكلام: "... لكي أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ".
(٣) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم.
(٤) " تفارط الغزو "، أي فات وقته، ومثله " تفرط "، وفي الحديث: " أنه نام عن العشاء حتى تفرطت "، أي: فات وقتها.
(٥) " أسوة "، أي: قدوة ومثلا. و " المغموص عليه "، من قولهم " غمص عليه قولا قاله "، أي: عابه عليه، وطعن به عليه. ويعني: مطعونا في دينه، متهما بالنفاق.
(٦) " النظر في عطفيه "، كناية عن إعجابه بنفسه، واختياله بحسن لباسه. و " العطفان "، الجانبان، فهو يتلفت من شدة خيلائه.
(٧) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم. وظاهر أن الناسخ أسقطها في نسخه.
(٨) " المبيض " (بتشديد الباء وكسرها)، هو لا بس البياض. و " يزول به السراب "، أي: يرفعه ويخفضه، وإنما يحرك خياله.
(٩) " لمزه "، عابه وحقره.
(١٠) في المطبوعة: " حضرني همي "، لم يحسن قراءة المخطوطة، والذي فيها مطابق لرواية مسلم في صحيحه. و " البث "، أشد الحزن. وذلك أنه إذا اشتد حزن المرء، احتاج أن يفضي بغمه وحزنه إلى صاحب له يواسيه، أو يسليه، أو يتوجع له.
(١١) " أظل قادما "، أي: أقبل ودنا قدومه، كأنه ألقى على المدينة ظله. وقوله: " زاح عني الباطل "، أي: زال وذهب وتباعد.
(١٢) " أجمعت صدقه "، أي: عزمت على ذلك كل العزم، " أجمع صدقه " و " أجمع على صدقه "، سواء.
(١٣) في المطبوعة: " وأصبح "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم.
بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئتُ، فلما سلمت تبسم تبسُّم المغْضَب، ثم قال: تعالَ! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، لقد أعطيتُ جدلا (١) ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يُسْخِطَك عليّ، ولئن حدثتك حديث صِدْق تَجدُ عليّ فيه، (٢) إني لأرجو فيه عفوَ الله، (٣) والله ما كان لي عُذْر! والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا هذا فقد صَدَق، قم حتى يقضي الله فيك! فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا! لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، (٤) فقد كان كافِيَك ذنبك استغفارُ رسول الله ﷺ لك! قال: فوالله ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذّبَ نفسي! قال: ثم قلت لهم: هل لَقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيع العامري، (٥) وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. (٦) قال: فمضيت حين ذكروهما لي. (٧)
= ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة، (٨) من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: "هل حرك شفتيه بردّ السلام أم لا؟ "، ثم أصلي معه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة = وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إليّ = فسلمت عليه، فوالله ما ردّ علي السلام! فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. قال: فعُدْت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار.
= فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا بنبطيّ من نَبَط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون
(١) " الجدل "، اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وعلى مقابلة الحجة بالحجة.
(٢) " تجد " من " الوجد "، وهو الغضب والسخط.
(٣) هكذا في المخطوطة: " عفو الله " ومثله في مسند أحمد ٣: ٤٦٠ وفي صحيح مسلم " عقبى الله "، أي: أن يعقبني خيرا، وأن يثبتني عليه.
(٤) في المطبوعة حذف " في " من قوله: " لقد عجزت في أن لا تكون "، وهي ثابتة في المخطوطة، وهي مطابقة لما في صحيح مسلم. وأما الذي في المطبوعة، فهو مطابق لما في البخاري من رواية غيره.
(٥) في المطبوعة: " ابن الربيع "، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر روايته في مسلم " مرارة بن ربيعة "، وما قالوا في اختلاف رواه مسلم. وما قالوه أيضا في روايته " العامري "، وأن صوابها " العمري " نسبة إلى بني عمرو بن عوف.
(٦) في المطبوعة: " لي فيهما أسوة "، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة، ولا في صحيح مسلم. وإنما هو من رواية البخاري، بغير هذا الإسناد.
(٧) " مضيت "، أي: أنفذت ما رأيت. من قولهم: " مضى في الأمر مضاء "، نفذ، و " أمضاه " أنفذه.
(٨) قوله: " أيها الثلاثة "، أي: خصصنا بذلك دون سائر المعتذرين. وهذه اللفظة تقال في الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب، تقول: " أما أنا فأفعل هذا، أيها الرجل "، يعني نفسه. انظر ما سلف ٣: ١٤٧، تعليق: ١، في الخبر رقم: ٢١٨٢.
له، حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فقرأته، فإذا فيه: "أما بعدُ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحق بنا نُوَاسِك".
= قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء!! فتأمَّمتُ به التنُّور فسجرته به. (١) حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، (٢) إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلِّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. (٣)
= قال: فجاءت امرأة هلالٍ رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدُمَه؟ فقال: لا ولكن لا يقرَبَنْكِ! قالت فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شيء! ووالله
(١) " فتأممت "، وهكذا في المخطوطة أيضا، وفي رواية البخاري " فتيممت ". وأما في صحيح مسلم، " فتياممت "، وقال النووي: " هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا، وهي لغة في: تيممت، ومعناها: قصدت ". وأما القاضي عياض، فقال في مشارق الأنوار (أمم) :" ومثله: فتيممت بها التنور، كذا رواه البخاري. ولمسلم: فتأممت، وكلاهما بمعنى، سهل الهمزة في رواية، وحققها في أخرى = أي: قصدت ".
ثم انظر تفسير " الأم " و " التأمم " في تفسير أبي جعفر فيما سلف ٥: ٥٥٨ / ٨: ٤٠٧ / ٩: ٤٧١.
وفي المطبوعة: " فتأممت به "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في مسلم والبخاري، إلا أن في مسلم " فسجرتها بها "، وفي البخاري: " فسجرته بها ". وأنث " بها "، إرادة لمعنى الصحيفة، وهي الكتاب، ثم رجع بالضمير إلى " الكتاب ".
" والتنور "، الكانون الذي يخبز فيه.
و" سجر التنور "، أوقده وأحماه وأشبع وقوده، وأراد: أنه زاد التنور التهابا، بإلقائه الصحيفة في ناره. وهذا كلام معجب، أراد به أن يسخر من رسالة ملك غسان إليه.
(٢) " استلبث "، أي: أبطأ وتأخر.
(٣) في المطبوعة: " تكوني عندهم "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم. وفي البخاري بغير هذا الإسناد: " فتكوني ".
ما زال يبكي مُنْذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا! قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدُمه؟ قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابٌّ!
= فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. (١) قال: ثم صليت صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلة على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منّا، (٢) قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعتُ صوت صارخٍ أوْفى على جبل سَلْع، (٣) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرجٌ. قال: وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، (٤) فذهب الناس يبشروننا، (٥) فذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسًا، وسعى ساعٍ من أسْلَم قِبَلي وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرعَ من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٦)
(١) في صحيح مسلم " حين نهي عن كلامنا "، وضبط " نهي " بالبناء للمجهول، ورواية أبي جعفر، تصحح ضبطه بالبناء للمعلوم أيضا.
(٢) في المطبوعة: " التي ذكر الله عنا "، غير ما في المخطوطة، هو مطابق لما في صحيح مسلم، وهو العربي العريق.
(٣) " أوفى عليه "، صعده وارتفع عليه، فأشرف على الوادي منه واطلع.
(٤) " آذن " أعلم الناس بها. ورواية مسلم: " فآذن رسول الله ﷺ الناس "، والذي هنا مطابق لرواية البخاري، بغير هذا الإسناد.
(٥) " ذهب "، سلف ما كتبته عن الاستعانة بقولهم: " ذهب " و " جعل ". انظر رقم: ١٧٤٢٩، ص: ٥٤١، تعليق ٣، والمراجع هناك.
(٦) انظر ص: ٥٥٣، تعليق: ١.
فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة ويقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك! (١) حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهَرول حتى صافحني، وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره = قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة (٢) = قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرُقُ وجهه من السرور: أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: أمن عندك، يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله! وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
= قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. (٣) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك، فهو خيرٌ لك! قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإنّ من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت! قال: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين ابتلاه الله في صِدْق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام، أحسن مما ابتلاني، (٤)
(١) في المخطوطة والمطبوعة: " لتهنك "، وهي كذلك في رواية البخاري بغير هذا الإسناد، وفي صحيح مسلم المطبوع: " لتهنئك "، وذكره القاضي عياض في مشارق الأنوار (هنأ) فقال: " ولتهنك توبة الله، يهمز، ويسهل ". وقد ذكر صاحب لسان العرب (هنأ) أن العرب تقول: " ليهنئك الفارس " بجزم الهمزة، و " ليهنيك الفارس " بياء ساكنة، ولا يجوز " ليهنك " كما تقول العامة "، والذي قاله ونسبه للعامة، صواب لا شك فيه عندي.
(٢) قال الحافظ في الفتح: " قالوا: سبب ذلك أن النبي ﷺ كان آخى بينه وبين طلحة، لما آخى بين المهاجرين والأنصار. والذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين، فهو أخو أخيه ".
(٣) " انخلع من ماله "، أي: خرج من جميع ماله، وتعرى منه كما يتعرى إنسان إذا خلع ثوبه. وأراد: إخراجه متصدقا به.
(٤) " أبلاه " أي: أنعم عليه.
والله ما تعمَّدت كِذْبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: (لقد تابَ الله على النبي)، حتى بلغ: (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا)، إلى: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
= قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ قطُّ بعد أن هَدَاني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته، (١) فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شَرَّ ما قال لأحدٍ: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون)، إلى قوله: (لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)، [سورة التوبة: ٩٥، ٩٦].
= قال كعب: خُلِّفنا، أيها الثلاثة، (٢) عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسول الله ﷺ توبتهم حين حَلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمْرَنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو، (٣) إنما هو تخليفه إيّانا، (٤) وإرجاؤه أمرَنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. (٥)
(١) " أن لا أكون "، " لا " زائدة، كالتي في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة: الأعراف: ١٢]. انظر ما سلف في تفسير الآية ١٢: ٣٢٣ - ٣٢٥.
(٢) في المطبوعة: " خلفنا " دون " كنا "، لم يحسن قراءة المخطوطة، وما أثبته مطابق لرواية مسلم في صحيحه.
(٣) في صحيح مسلم: " مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو "، والذي هنا وفي المخطوطة، مطابق لما فيه رواية البخاري بغير هذا الإسناد.
(٤) في المطبوعة: " ختم الجملة بقوله: " فقبل منهم " بالجمع، خالف ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم والبخاري.
(٥) الأثر: ١٧٤٤٧ - حديث كعب بن مالك، سيرويه أبو جعفر من طرق سأبينها بعد. أما روايته هذه من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، فهو إسناد مسلم في صحيحه ١٧: ٨٧، ٩٨، وانظر التعليق على الأخبار التالية. وانظر الأثرين السالفين رقم: ١٦١٤٧، ١٧٠٩١، والتعليق عليهما.
١٧٤٤٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فذكر نحوه. (١)
١٧٤٤٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبي ﷺ في غَزاة غَزاها إلا بدرًا، ولم يعاتب النبيُّ ﷺ أحدًا تخلف عن بدر، ثم ذكر نحوه. (٢)
١٧٤٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، ثم السلمي، عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعب، وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره = قال: سمعت أبي كعبَ بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلفت عن رَسول الله ﷺ في غزوة غزاها، غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر، ثم ذكر نحوه. (٣)
* * *
(١) الأثر: ١٧٤٤٨ - من هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٨٦ - ٩٣)، وأحمد في مسنده ٣: ٤٥٩، ٤٦٠، الحديث بطوله.
(٢) الأثر: ١٧٤٤٩ - من هذه الطريق، طريق معمر، رواه أحمد في مسنده ٦: ٣٨٧ - ٣٩٠. وانظر أيضا ما رواه أحمد في مسنده ٣: ٤٥٦، روايته من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، الحديث بطوله، وصحيح مسلم ١٧: ٩٨ - ١٠٠.
(٣) الأثر: ١٧٤٥٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٧٥ - ١٨١، الحديث بطوله.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه(١) حين عَمى - قال : سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غيرها(٢) قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا، واستقبل عدوا كثيرًا(٣) فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وَجْهَه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - فقال كعب : فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، عز وجل، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصعر. فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمَّر(٤) بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت : الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه(٥) فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل [ ذلك ](٦) يَتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم - وليت أنّي فعلتُ - ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجتُ في الناس بعد [ خروج ](٧) رسول الله ﷺ [ فَطُفتُ فيهم ](٨) يحزنني ألا أرى إلا رجلا مَغْموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله، عز وجل، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :" ما فعل كعب بن مالك ؟ " قال رجل من بني سَلمة : حبسه يا رسول الله بُرْداه، والنظر في عَطْفيه. فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت ! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا ! فسكت رسول الله ﷺ، قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد تَوجَّه قافلا من تبوك حضرني بَثّي(٩) فطفقت أتذكر(١٠) الكَذب، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ؟ أستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا. فأجمعتُ صدقه، وصَبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له - وكانوا بضعة وثمانين رجلا - فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلَّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي :" تعال "، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي :" ما خلَّفك، ألم تك قد اشتريت ظهرك " ؟ قال : فقلت : يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سَخَطه بعذر، لقد أعطيتُ جَدَلا ولكنه والله لقد علمتُ لئن حَدّثتك اليوم حديث كَذب ترضى به عني، ليوشكن الله يُسْخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تَجدُ عَليّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [ عفوًا ](١١) من الله، عز وجل(١٢) والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال : فقال رسول الله ﷺ :" أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون(١٣) فقد كان كافيك [ من ذنبك ](١٤) استغفار رسول الله ﷺ لك. قال : فوالله ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّب نفسي : قال : ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم، [ لقيه معك ](١٥) رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت : فمن هما ؟ قالوا : مُرَارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال : فمضيت حين ذكروهما لي - قال : ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلف عنه، فاجتنَبنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَب القوم وأجلَدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي : حَرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرَض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مَشَيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي - فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له : يا أبا قتادة، أنشدُك الله : هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال : فسكت. قال : فعدتُ فنشدته [ فسكت، فعدت فنشدته ](١٦) فقال : الله ورسوله أعلم. قال : ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار. فبينا(١٧) أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من أنباط الشام، ممن(١٨) قَدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ قال : فطفِقَ الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا(١٩) فإذا فيه : أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هَوان ولا مَضْيَعة، فالحق بنا نُواسكَ. قال : فقلت حين قرأتها : وهذا أيضًا من البلاء. قال : فتيممت به التنور فَسَجرته(٢٠) حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال : إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال : فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها. قال : وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك قال : فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له : يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال :" لا ولكن لا يقربَنَّك " قالت : وإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. قال : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال : فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب ؟ قال : فلبثنا [ بعد ذلك ](٢١) عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال : ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا : قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك، أبشر. قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن(٢٢) قد جاء فرج، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجُل فرسًا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت(٢٣) ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون : لِيَهْنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهرول، حتى صافحني وهَنَّأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب : فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرُق وجهه من السرور :" أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمّك ". قال : قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال :" لا بل من عند الله ". قال : وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال :" أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك ". قال : فقلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت : يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال : فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال : وأنزل الله تعالى :﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ قال كعب : فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ يومئذ ألا أكون كَذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كَذَبوه [ حين كَذَبُوه ](٢٤) ؛ فإ
١ - في أ :"بيته"..
٢ - في أ :"غزاها"..
٣ - في أ :"كبيرا"..
٤ - في ت، ك :"استمر"..
٥ - في ت :"ألحقهم"..
٦ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
٧ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
٨ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
٩ - في أ :"شيء"..
١٠ - في ت، أ :"أتفكر"..
١١ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
١٢ - في ت :"تعالى"..
١٣ - في أ :"المخلفون"..
١٤ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
١٥ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
١٦ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
١٧ - في ت، ك، أ :"وبينا"..
١٨ - في ت :"فيمن"..
١٩ - في ت :"وكتب كتابا"..
٢٠ - في ت، أ :"فسجرته فيها"..
٢١ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
٢٢ - في أ :"أنه"..
٢٣ - في ت، ك، أ :"فنزعت له"..
٢٤ - زيادة من ت، ك، أ، والمسند..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بن مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ (١) حِينَ عَمى -قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ غَيْرِهَا (٢) قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يعاتَب أحدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِير قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شهدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَافَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أذْكَر فِي النَّاسِ مِنْهَا وَأَشْهَرَ، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّما يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا (٣) فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وَجْهَه
(١) في أ: "بيته".
(٢) في أ: "غزاها".
(٣) في أ: "كبيرا".
الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ، لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ -فَقَالَ كَعْبٌ: فَقَلّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْغَزَاةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلُّ، وَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ. فَتَجَهَّزَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا، فَأَقُولُ لِنَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى شمَّر (١) بِالنَّاسِ الْجَدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا، وَقُلْتُ: الْجِهَازُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُ (٢) فَغَدَوْتُ بَعْدَمَا فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا مِنْ جِهَازِي. ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ [ذَلِكَ] (٣) يَتمادى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ -وَلَيْتَ أَنِّي فعلتُ -ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خرجتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ [خُرُوجِ] (٤) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فَطُفتُ فِيهِمْ] (٥) يُحْزِنُنِي أَلَّا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْموصا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ " قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلمة: حَبَسَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بُرْداه، وَالنَّظَرُ فِي عَطْفيه. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ! وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا! فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوجَّه قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثّي (٦) فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ (٧) الكَذب، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سُخْطِهِ غَدًا؟ أَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أَنْجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا. فأجمعتُ صِدْقَهُ، وصَبَّح رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُتَخَلِّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ -وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا -فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سلَّمت عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ لِي: "تَعَالَ"، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جلستُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خلَّفك، أَلَمْ تَكُ قَدِ اشْتَرَيْتَ ظَهْرَكَ"؟ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ سَخَطه بِعُذْرٍ، لَقَدْ أعطيتُ جَدَلا وَلَكِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدْ علمتُ لَئِنْ حَدّثتك الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذب تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عَلِيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ بِصِدْقٍ تَجدُ عَليّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَقْرَبَ عُقْبَى ذَلِكَ [عَفْوًا] (٨) مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ (٩) وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَفْرَغُ وَلَا أَيْسَرُ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". فَقُمْتُ وَبَادَرَنِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزت أَلَّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رسول الله ﷺ بما اعْتَذَرَ بِهِ الْمُتَخَلِّفُونَ (١٠) فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ [مِنْ ذَنْبِكَ] (١١) اسْتِغْفَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فأُكذِّب نَفْسِي: قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، [لَقِيَهُ مَعَكَ] (١٢) رَجُلَانِ، قَالَا مَا قلتَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ. قُلْتُ: فَمَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارة بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا لِي فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي -قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا -أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ -مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجتنَبنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تنكرَتْ لِي فِي نَفْسِي الأرضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي كُنْتُ أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أشَب الْقَوْمِ وأجلَدهم، فَكُنْتُ أَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ بِالْأَسْوَاقِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأُسَلِّمُ، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: حَرّك شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعرَض، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ هَجْرِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيت حَتَّى تَسَوَّرْتُ حَائِطَ أَبِي قَتَادَةَ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ -فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنشدُك اللَّهَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنِّي أَحَبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ. قَالَ: فعدتُ فَنَشَدْتُهُ [فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ] (١٣) فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا (١٤) أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، مِمَّنْ (١٥) قَدم بِطَعَامٍ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فطفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ، حَتَّى جَاءَ فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكَ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِبًا (١٦) فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوان وَلَا مَضْيَعة، فَالْحَقْ بِنَا نُواسكَ. قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأَتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ. قَالَ: فَتَيَمَّمْتُ بِهِ التَّنُّورَ فَسَجرته (١٧) حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا. قَالَ: وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ: فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالًا شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يقربَنَّك" قَالَتْ: وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا يَزَالُ يَبْكِي مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِكَ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدِمَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَدْرِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ قَالَ: فَلَبِثْنَا [بَعْدَ ذَلِكَ] (١٨) عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى عَنْ كَلَامِنَا قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَّا: قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَارِخًا أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْع يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ (١٩) قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَل صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِل

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿و﴾ كذلك لقد تاب الله ﴿عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن الخروج مع المسلمين، في تلك الغزوة، وهم : " كعب بن مالك " وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن.
﴿حَتَّى إِذَا﴾ حزنوا حزنا عظيما، و ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي : على سعتها ورحبها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ أي : تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد، ويلجأ إليه، إلا اللّه وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا باللّه ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي : أذن في توبتهم ووفقهم لها ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أي : لتقع منهم، فيتوب اللّه عليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ أي : كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ﴿الرَّحِيمِ﴾ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية.
وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها.
ومنها : لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
ومنها : أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر.
ومنها : أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة.
ومنها : أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين.
ومنها : أن من لطف اللّه بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال :﴿خُلِّفُوا﴾ إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، [ أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده ](١)  وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل : " تخلفوا ".
ومنها : أن اللّه تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال :
١ - زيادة من هامش ب..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿و﴾ كذلك لقد تاب الله ﴿عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن الخروج مع المسلمين، في تلك الغزوة، وهم: "كعب بن مالك" وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن.
﴿حَتَّى إِذَا﴾ حزنوا حزنا عظيما، و ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: على سعتها ورحبها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا الله ورضا رسوله على كل شيء.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ أي: تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد، ويلجأ إليه، إلا الله وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا بالله ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أذن في توبتهم ووفقهم لها ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أي: لتقع منهم، فيتوب الله عليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ﴿الرَّحِيمُ﴾ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية.
وفي هذه الآيات دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها.
ومنها: لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر.
ومنها: أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة.
ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين.
ومنها: أن من لطف الله بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال: ﴿خُلِّفُوا﴾ إشارة إلى أن المؤمنين -[٣٥٥]- خلفوهم، [أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده] (١) وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: "تخلفوا".
ومنها: أن الله تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال:
(١) زيادة من هامش ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِمَا رَحُبَتْ
مَعَ رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا.

إعراب الآية ١١٨ من سورة التوبة

من كتاب: التبيان في إعراب القرآن

قَالَ تَعَالَى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (١١٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (التَّائِبُونَ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: هُمُ التَّائِبُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَيُقْرَأُ بِالْيَاءِ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ أَمْدَحُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) : إِنَّمَا دَخَلَتِ الْوَاوُ فِي الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ إِيذَانًا بِأَنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَهُمْ عَدَدٌ تَامٌّ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: سَبْعٌ فِي ثَمَانِيَةٍ؛ أَيْ: سَبْعُ أَذْرُعٍ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْبَارٍ، وَإِنَّمَا دَلَّتِ الْوَاوُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ مَا قَبْلَهَا، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ فِي بَابِ عَطْفِ النَّسَقِ.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١١٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) : فِي فَاعِلِ كَادَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَالثَّانِي: فَاعِلُهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ الْقَوْمُ، وَالْعَائِدُ عَلَى هَذَا الضَّمِيرِ فِي مِنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: فَاعِلُهَا الْقُلُوبُ، وَيَزِيغُ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّاءِ، فَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ فَيَضْعُفُ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّقْدِيرِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ بَيَّنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ) [الْأَعْرَافِ: ١٣٧].
قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١١٨).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ) : إِنْ شِئْتَ عَطَفْتَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: تَابَ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى «عَلَيْهِمْ» ؛ أَيْ: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ.
(لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ) : خَبَرُ «لَا» :«مِنَ اللَّهِ».
(إِلَّا إِلَيْهِ) : اسْتِثْنَاءٌ مِثْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (١٢٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَوْطِئًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا، فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِثْلَ الْمَوْعِدِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (١٢٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِرْقَةٍ مِنْهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مِنْهُمْ» صِفَةً لِفِرْقَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ: «طَائِفَةٌ».
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٢٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (غِلْظَةً) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (١٢٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَرَاكُمْ) : تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ: هَلْ يَرَاكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١٢٨).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، وَ «مَا» مَصْدَرِيَّةٌ، مَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِعَزِيزٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ «مَا غَنِمْتُمْ» مُبْتَدَأٌ، وَ «عَزِيزٌ عَلَيْهِ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ «رَسُولٌ».
(بِالْمُؤْمِنِينَ) : يَتَعَلَّقُ بِـ «رَءُوفٌ».
بِسْمِ
اللَّهِ
الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١١٨ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

اللهَ هُوَ

إدغام الهاء في الهاء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الهاء الأولى منصوبة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

ضَاقَتْ

بالإمالة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ

(عَلَيْهُمْ ) بضم الهاء وإسكان الميم مع السكت

خلف عن حمزة

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم دون سكت

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

عَلَيْهِمُ الأَرْضُ

(عَلَيهُمُ) بضم الهاء والميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عَلَيْهِمِ) بكسر الهاء والميم

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عَلَيهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

وَضَاقَتْ

بالإمالة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١١٨ من سورة التوبة

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٤ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر الذين خُلِّفوا عن التوبة، فقال: ﴿و﴾ تاب اللهُ ﴿عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن التَّوبة بعد أبي لبابة وأصحابه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٠١-٢٠٢.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق جابر- قال: ما كان مِن ظَنٍّ في القرآن فهو يقين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ يقول: ضاقت الأرض بِسَعَتِها؛ لأنّه لم يخالطهم أحدٌ، ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: وأَيْقَنُوا ألا حِرْزَ مِن الله ﴿إلّا إلَيْهِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٠١-٢٠٢.
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: دعا اللهُ إلى توبتِه مَن قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾ [القصص:٣٨]. ومَن آيَسَ العِبادَ مِن التوبة بعد هؤلاء فقد جَحَد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبدُ أن يتوب حتى يتوب اللهُ عليه، وهو قوله: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ فبَدْءُ التوبة مِن الله عز وجل ليتوبوا، ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ يعني: إن استقاموا١
التخريج
  1. ١أخرج ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥ آخره من طريق علي بن أبي طلحة. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
عن الضحاك بن مزاحم: مثل قوله: فبدءُ التوبة... إلخ١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ يعني: تَجاوَز عنهم لكي يتوبوا، ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ على مَن تاب، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٠١-٢٠٢.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: كعب بن مالك، ومُرارة بن الرَّبيع، وهلال بن أُمَيَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٥٠‏/‏١٩٥. وعزاه السيوطي إلى ابن منده.
٨
عن مجَمِّع بن جارية، قال: الثلاثة الذين خُلِّفوا فتاب الله عليهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربعيٍّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٩
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي سفيان- في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، وكلُّهم مِن الأنصار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٥، وابن عساكر ٥٠‏/‏١٩٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن منده، وابن مردويه.
١٠
عن سعيد [بن جبير] -من طريق جعفر- قال: الثلاثة الذين خُلِّفوا: كعب بن مالك وكان شاعِرًا، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم أنصاريٌّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٦.
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: الذين أُرْجِئُوا في وسط براءة؛ قوله: ﴿وءاخرون مُرجَونَ لأمر الله﴾ [التوبة:١٠٦]: هلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٥.
١٢
عن الضَّحّاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٦.
١٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق سعيد بن مسروق- ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: هلال بن أُمَيَّة، ومُرارة، وكعب بن مالك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٦.
١٤
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق إسماعيل السدي- قال: ﴿الثلاثة الذين خلفوا﴾: هلال بن أُمَيَّة، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٧.
١٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى قوله: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلَّفوا في غزوة تبوك. ذُكر لنا: أنّ كعب بن مالك أوْثَق نفسَه إلى سارية، فقال: لا أُطْلِقُها -أو: لا أُطْلِق نفسي- حتى يُطْلِقُني رسولُ الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «واللهِ، لا أُطْلِقه حتى يُطْلِقه ربُّه إن شاء». وأمّا الآخَرُ فكان تخلَّف على حائطٍ له كان أدْرَك، فجعله صدقةً في سبيل الله، وقال: واللهِ، لا أطْعَمُه. وأمّا الآخَرُ فرَكِب المفاوِز يتبع رسول الله ﷺ، ترفعه أرضٌ وتضعُه أخرى، وقدماه تَشَلْشَلان١ دمًا٢
التخريج
  1. ١أي: تقطران دمًا. النهاية (شلشل).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٦-٥٧ واللفظ له، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٤-١٩٠٥ (١٠٠٧٨) وفيه: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ أي: عن التوبة.
١٦
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: إنّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: كعب بن مالك من بني سلِمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومُرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ذكر الذين خُلِّفوا عن التوبة، فقال: ﴿و﴾تاب الله ﴿عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن التوبة بعد أبي لبابة وأصحابه، وهم ثلاثة: مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، ولم يذكر توبتَهم ولا عقوبتَهم؛ وذلك أنّهم لم يفعلوا كفعل أبي لبابة وأصحابه، فلم ينزِل فيهم شيءٌ شهرًا، فكان الناسُ لا يُكَلِّمونهم، ولا يُخالِطونهم، ولا يُبايِعُونهم، ولا يشترون منهم، ولا يُكَلِّمهم أهلُهم، فضاقت عليهم الأرضُ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم بعد شهور أو شهر، وتاب أيضًا على الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: بعد أبي لبابة، وهم مُرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٢٠١-٢٠٢.
١٨
عن كعب بن مالك، قال: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا﴾ وليس تخليفُه إيّانا وإرجاؤه أمرنا -الذي ذَكَر مِمّا خُلِّفنا- بتخلُّفِنا عن الغزو، وإنّما هو عمَّن حلَفَ له واعتذر إليه فقَبِل منه١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٣-٧ (٤٤١٨)، ومسلم ٤‏/‏٢١٢٠-٢١٢٩ (٢٧٦٩)، وابن جرير ١٢‏/‏٥٨-٦٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٩-١٩٠٣ (١٠٠٨٥). وتقدم بتمامه مُطَوَّلًا في نزول الآية.
١٩
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: يعني: خُلِّفوا عن التوبة، لم يتُب عليهم حتى تاب الله على أبي لُبابة وأصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق مَعْمَر، عمَّن سَمِع عكرمة- في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: خُلِّفوا عن التوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٩٠، وابن جرير ١٢‏/‏٥٤، وابن عساكر ٥٠‏/‏٢٠٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٢١
عن عكرمة مولى ابن عباس، وعامر الشعبي -من طريق جابر- ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، قال: أُرْجِئوا في أوسط براءة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢/ ٥٥.
٢٢
عن قتادة بن دعامة: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ مُثَقَّلة. يقول: عن غزوة تبوك١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير، ولم نجده في المطبوع منه، والمثبت في تفسير الآية هو الأثر التالي، وقد يكون المراد قول قتادة المتقدم في تعيين الثلاثة: «كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلفوا في غزوة تبوك... إلخ». ولا يظهر أنّ هذا اللفظ تفسير لمعنى ﴿خلفوا﴾، ويؤيده ما تقدم في حاشية الأثر من أن لفظ ابن أبي حاتم: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ أي: عن التوبة.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى قوله: ﴿خلفوا﴾؛ فقال قوم: خُلِّفوا عن قَبول العذر. وقال قتادة: خُلِّفوا عن الغزو. ورجَّح ابنُ عطية (٤/٤٣٠)، وابنُ القيم (٢/٢٥) القول الأول، وانتقدا قولَ قتادة استنادًا إلى أحوال النزول، واللغة، وظاهر الآية، فقال ابنُ عطية: «وهذا ضعيف، وقد ردَّه كعب بن مالك بنفسه، وقال: معنى ﴿خُلِّفُوا﴾: تُركوا عن قَبول العذر، وليس بتخلُّفنا عن الغزو. ويُقَوِّي ذلك جعله ﴿إذا ضاقت﴾ غايةً للتَّخَلُّف، ولم يكن ذلك عن تخليفهم عن الغزو، وإنّما ضاقت عليهم الأرض عن تخليفهم عن قبول العذر». وقال ابنُ القيم: «قد فسرها كعب بالصواب، وهو أنهم خُلِّفوا من بين من حلف لرسول الله ﷺ واعتذر من المتخلفين، فخُلِّف هؤلاء الثلاثة عنهم، وأرجأ أمرهم دونهم، وليس ذلك تخلفهم عن الغزو؛ لأنّه لو أراد ذلك لقال: تخلفوا، كما قال تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ [التوبة:١٢٠]، وذلك لأنهم تخلفوا بأنفسهم، بخلاف تخليفهم عن أمر المتخلفين سواهم، فإنّ الله سبحانه هو الذي خلفهم عنهم، ولم يتخلفوا عنه بأنفسهم».
٢٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: أمّا قوله: ﴿خلفوا﴾ فخُلِّفوا عن التوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٤، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٤.
٢٤
عن أبي مالك غَزْوان الغفاري أنّه قال: خُلِّفوا عن التوبة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن كعب بن مالك، قال: لَمّا نزلت توبتي أتيتُ النبيَّ ﷺ، فقبَّلْتُ يدَه ورُكْبَتَيْه، وكسوتُ المُبَشِّرَ ثوبين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.

قراءات

قول واحد
١
عن عكرمة بن خالد المخزومي -من طريق أبي عمرو- أنّه كان يقرؤها: (وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خَلَفُواْ) نصب، أي: بعد محمد ﷺ وأصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٥. وهي قراءة شاذة، تنسب أيضًا إلى زر بن حبيش، وعمرو بن عبيد. انظر: مختصر ابن خالويه ص٦٠، والمحتسب ١‏/‏٣٠٥.

نزول الآية، وسياق القصة

٤ أقوال
١
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنّ عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب مِن بنيه حين عَمِي- قال: سمعتُ كعب بن مالك يُحدِّث حديثَه حين تَخَلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتَخَلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوةٍ غزاها قطُّ إلا في غزوة تبوك، غير أنِّي تَخَلَّفْتُ في غزاة بدر، ولم يُعاتِب أحدًا تَخَلَّف عنها، إنّما خرج رسول الله ﷺ يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدُوِّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العَقَبَة حين تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَرَ في الناس منها وأَشْهَر، وكان مِن خَبَرِي حين تَخَلَّفْتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أنِّي لم أكُن قطُّ أقوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حين تَخَلَّفْتُ عنه في تلك الغزاة، واللهِ، ما جمعتُ قبلَها راحِلَتَيْن قطُّ حتى جَمَعْتُهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يُريدُ غزاةً إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومَفازًا، واستقبل عَدُوًّا كثيرًا، فجَلّى للمسلمين أمرَهم لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهم، فأخبرهم وجهَه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كِتاب حافِظٌ -يريد: الديوان-. قال كعب: فقلَّ رجلٌ يُريد أن يتغيَّبَ إلا ظنَّ أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزِل فيه وحْيٌ مِن الله. وغزا رسولُ الله ﷺ تلك الغزاة حين طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ، وأنا إليها أصْعَرُ١، فتجهَّز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفِقْتُ أغدو لكي أتَجَهَّزَ معهم، فأرجع ولا أقضي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادِرٌ على ذلك إذا أردتُ. فلم يزل ذلك يَتَمادى بي حتى اسْتَمَرَّ بالناس الجِدُّ، فأصبح رسولُ الله ﷺ غادِيًا والمسلمون معه، ولم أقْضِ مِن جَهازي٢ شيئًا، وقلت: الجَهازُ بعد يوم أو يومين ثم ألْحَقُه. فغَدَوْتُ بعدما فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فرجعتُ ولم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، ثم غدوتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتَهَوْا، وتَفارَطَ٣ الغزوُ، فهممتُ أن أرتحل فأُدركهم، وليت أنِّي فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي، فطَفِقْتُ إذا خرجتُ في الناس بعد رسول الله ﷺ يُحْزِنُني أن لا أرى إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه في النِّفاق، أو رجلًا مِمَّن عَذَرَهُ الله. ولم يذكرني رسولُ الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: «ما فعل كعبُ بنُ مالك؟». قال رجل مِن بني سَلِمةَ: حَبَسَهُ -يا رسول الله- بُرداه، والنَّظَرُ في عِطْفَيْه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلتَ، واللهِ، يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ. قال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قد تَوَجَّه قافِلًا من تبوك حَضَرَنِي بَثِّي، فطَفِقْتُ أتَفَكَّرُ الكَذِب، وأقول: بِماذا أخرج مِن سخطه غدًا؟ أستعين على ذلك كُلَّ ذي رَأْيٍ مِن أهلي. فلمّا قيل: إنّ رسول الله ﷺ قد أظَلَّ قادِمًا. زاح عَنِّي الباطِل وعرَفت أنِّي لم أنجُ مِنه بشيء أبدًا، فأجمعتُ صِدْقَه، وصبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع ركعتين، ثم جلس للناس، فلمّا فعل ذلك جاءه المُتَخَلِّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسولُ الله ﷺ عَلانِيَتَهم، واسْتَغْفَر لهم، ويَكِل سرائِرهم إلى الله، حتى جئتُ، فلمّا سلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب، ثم قال لي: «تعال». فجئتُ أمْشِي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلَّفَكَ؟ ألم تكن قد اشتريتَ ظَهْرَك؟». فقلتُ: يا رسول الله، لو جَلَسْتُ عند غيرك مِن أهل الدنيا لَرَأْيتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِه بعُذْرٍ، لقد أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنَّه -واللهِ- لقد علمتُ لَئِن حدَّثتُك اليوم حَديثَ كَذِبٍ ترضى عنِّي به؛ لَيُوشِكَنَّ الله يُسخِطُك عَلَيَّ، ولَئِن حدَّثتُك الصِّدْقَ تَجِدُ عَلَيَّ فيه، إنِّي لأرجُو قربَ عُقْبى مِن الله، واللهِ، ما كان لي عذر، واللهِ، ما كنت قطُّ أفْرَغ ولا أيْسَر مِنِّى حين تخلَّفتُ عنك. فقال رسول الله ﷺ: «أمّا هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يقضِي اللهُ فيك». فقمتُ، وبادرني رجال مِن بني سلِمة، واتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ، ما علِمناك كنتَ أذْنَبْتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعْتَذر به المُتَخَلِّفون! فلقد كان كافيك مِن ذنبك استغفارُ رسول الله ﷺ. قال: فواللهِ، ما زالوا يُؤَنِّبونني حتى أردتُ أن أرجع فأُكَذِّب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقِي هذا معي أحدٌ؟. قالوا: نعم، لَقِيَه معك رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: مَن هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهِدا بدرًا، لي فيهما أُسْوَة، فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسولُ الله ﷺ الناس عن كلامنا -أيُّها الثلاثة- مِن بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناسَ، وتغيَّروا لنا، حتى تَنَكَّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التى كنت أعرفُ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأمّا أنا فكُنتُ أشدَّ القومِ وأجْلَدَهم، فكنت أشهد الصلاةَ مع المسلمين، وأطوفُ بالأسواق، فلا يُكَلِّمني أحد، وآتي رسولَ الله ﷺ وهو في مَجْلِسه بعد الصلاة فأُسَلِّم وأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بِرَدِّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّي قريبًا منه وأُسارِقُه النَّظَر؛ فإذا أقْبَلْتُ على صلاتى نظر إلَيَّ، فإذا التَفَتُّ نحوَه أعْرَض. حتى إذا طال عَلَيَّ ذلك مِن هجر المسلمين مَشَيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ الناسِ إلَيَّ، فسلَّمت عليهِ، فواللهِ، ما ردَّ السلام عَلَيَّ، فقلتُ له: يا أبا قتادة، أنشُدُك الله، هل تعلم أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ قال: فسكَتَ. قال: فعُدت فنشَدته، فسكتْ، فعدت فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتَوَلَّيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ الجدارَ. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيُّ مِن أنباط الشام مِمَّن قدِم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدُلُّ على كعب بن مالك؟ فطفِق الناس يُشيرون له إلَيَّ، حتى جاء فدفَع إلَيَّ كتابًا مِن مَلِك غَسّان، وكُنتُ كاتِبًا، فإذا فيه: أمّا بعدُ، فقد بَلَغَنا أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعة، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ. فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضًا مِن البلاء. فتَيَمَّمْتُ بها التَّنُّورَ، فَسَجَرتُه فيها٤. حتى إذا مضت أربعون ليلة مِن الخمسين إذا برسولِ رسولِ الله ﷺ يأتيني، فقال: إنّ رسولَ الله ﷺ يأمُرُك أن تَعْتَزِل امرأتَك. فقلت: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: بلِ اعتزِلها ولا تقربْها. وأرسل إلى صاحِبَيَّ مثلَ ذلك، فقلتُ لامرأتى: الحقي بأهلِك، فكوني عندهم حتى يقضي اللهُ في هذا الأمر. فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنّ هلالًا شيخ ضائع، وليس له خادِم، فهل تكره أن أخدمه؟. قال: «لا، ولكن لا يَقْرَبَنَّكِ». قالت: وإنّه -واللهِ- ما بِه حَرَكَةٌ إلى شيء، واللهِ، ما زال يبكي مِن لدن أن كان مِن أمرِك ما كان إلى يومِه هذا. فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله ﷺ في امرأتِك؛ فقد أذِن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلتُ: واللهِ، لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقولُ إذا استأذنتُه وأنا رجل شابٌّ. قال: فلبِثنا عشرَ ليال، فكمل لنا خمسون ليلة مِن حين نهى عن كلامنا. قال: ثُمَّ صليتُ صلاةَ الفجر صباح خمسين ليلة على ظهرِ بيتٍ مِن بيوتنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحال التى ذكر الله عَنّا؛ قد ضاقت عَلَيَّ نفسي، وضاقت عَلَيَّ الأرض بما رَحُبَت، سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى على جبل سَلْعٍ يقولُ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبْشِرْ. فخررتُ ساجِدًا، وعرفتُ أن قد جاء فَرَجٌ، فآذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبةِ الله علينا حين صلّى الفجرَ، فذهب الناسُ يُبَشِّرُوننا، وذهب قِبَل صاحِبَيَّ مُبَشِّرون، وركض إلَيَّ رجلٌ فرسًا، وسعى ساعٍ مِن أسلم وأَوْفى على الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ مِن الفرس، فلمّا جاءنى الذي سمعتُ صوتُه يُبَشِّرُني نَزَعت له ثوبَيَّ فكسوتُهما إيّاه ببشارته، واللهِ، ما أملك غيرَهما يومئذ، فاستعرتُ ثوبين فلبستُهما، فانطلقت أؤُمُّ رسولَ الله ﷺ، يَتَلَقّاني الناسُ فَوْجًا بعد فَوْجٍ يُهَنِّئوني بالتوبة، يقولون: لِيَهْنِكَ توبةُ الله عليك. حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ جالس في المسجد حولَه الناس، فقام إلَيَّ طلحةُ بن عبيد الله يُهَرْوِل حتى صافَحني وهنَّأني، واللهِ، ما قام إلَيَّ رجل مِن المهاجرين غيرُه -قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة-. قال كعب: فلمّا سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يَبْرق وجهُه مِن السرور: «أبْشِرْ بخير يومٍ مرَّ عليك منذُ ولَدَتْك أمُّك». قلتُ: أمِن عندِك -يا رسول الله- أم مِن عند الله؟ قال: «لا، بل مِن عند الله». وكان رسولُ الله ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنار وجهُه حتّى كأنه قِطْعَةُ قَمَر، فلمّا جلَستُ بين يديه قلتُ: يا رسول الله، إنّ مِن توبتى أن انْخَلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله ﷺ. قال: «أمْسِكْ بعضَ مالِك فهو خيرٌ لك». قلتُ: إنِّي أُمْسِك سهمِي الذي بخيبر. وقلتُ: يا رسول الله، إنّما نجّاني الله بالصِّدق، وإنّ مِن توبتي ألّا أُحَدِّثَ إلا صِدْقًا ما بَقِيتُ. قال: فواللهِ، ما أعلمُ أحدًا مِن المسلمين أبلاه الله مِن الصدق في الحديث منذُ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مِمّا أبلاني الله تعالى، واللهِ، ما تعمَّدتُ كِذبةً منذُ قلتُ ذلك إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النَّبِىّ والمهاجرين والأنصار﴾ إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾. فواللهِ، ما أنعم الله عَلَيَّ مِن نعمة قطُّ بعد أن هداني الله للإسلام أعْظَمَ في نفسي مِن صدق رسول الله ﷺ يومئذ ألّا أكون كذَبتُه فأهلِكَ كما هلَك الذين كذبوه، فإنّ الله قال للذين كَذَبُوه حين أنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد، فقال: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتُعرِضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقين﴾ [التوبة:٩٥]. قال: وكُنّا خُلِّفنا -أيُّها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول الله ﷺ حين حلَفُوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجَأ رسولُ الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا﴾. وليس تخليفُه إيّانا وإرجاؤه أمرَنا -الذي ذكر مما خُلِّفنا- بتخلُّفِنا عن الغزو، وإنّما هو عمَّن حلَفَ له واعتذر إليه فقَبِل منه٥
التخريج
  1. ١أي: أميَل. النهاية (صعر).
  2. ٢ما يحتاجه في سفره... وجَهاز الراحلة: ما عليها. ينظر لسان العرب (جهز).
  3. ٣أي: فات وقته. النهاية (فرط).
  4. ٤سجر التنور: أوقده وأَحماه. لسان العرب (سجر).
  5. ٥أخرجه البخاري ٦‏/‏٣-٧ (٤٤١٨)، ومسلم ٤‏/‏٢١٢٠-٢١٢٩ (٢٧٦٩)، وابن جرير ١٢‏/‏٥٨-٦٦، وابن أبي حاتم ٦‏/‏١٨٩٩-١٩٠٣ (١٠٠٨٥).
٢
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزل رسولُ الله ﷺ بِذِي أوانٍ١ خرج عامَّةُ المنافقين الذين كانوا تخلَّفوا عنه يَتَلَقَّوْنَه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا تُكلِّمُنَّ رجلًا تَخَلَّف عنا، ولا تُجالِسوه حتى آذَنَ لكم». فلم يُكلِّموهم، فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه الذين تَخَلَّفوا يُسَلِّمون عليه، فأعرض عنهم، وأعرض المؤمنون عنهم، حتى إنّ الرجل ليُعرِضُ عنه أبوه وأخوه وعمُّه، فجعلوا يأتون رسول الله ﷺ، ويعتذرون بالجهد والأسقام، فرحِمهم رسولُ الله ﷺ، فبايعهم، واستغفر لهم، وكان مِمَّن تَخَلَّف عن غير شكٍّ ولا نِفاق ثلاثةُ نَفَر؛ الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة: كعب بن مالك السُلمي، وهلال بن أمية الواقفى، ومُرارة بن ربيعة العامري٢
التخريج
  1. ١ويقال: ذات أوان: بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار. معجم البلدان ١‏/‏٣٦٩.
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
عن الحسن البصري -من طريق المبارك- قال: لَمّا غزا رسولُ الله ﷺ تبوك تخلَّف كعب بن مالك، وهلال بن أُمَيَّة، ومُرارة بن الربيع، قال: أمّا أحدُهم فكان له حائِط حين زَها، قد فشَتْ فيه الحُمْرَة والصُّفْرَة، فقال: غزوتُ، وغزوتُ، وغزوتُ، مع النبيِّ ﷺ، فلو أقمتُ العامَ في هذا الحائطِ فأَصَبْتُ مِنه. فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ وأصحابُه دخَل حائطَه، فقال: ما خلَّفني عن رسول الله ﷺ وما استبَق المؤمنون مِن الجهاد في سبيل الله إلا ضنٌّ بِكَ أيُّها الحائط، اللَّهُمَّ، إنِّي أُشهِدُك أنِّي قد تصدَّقتُ به في سبيلك. وأَمّا الآخَرُ فكان قد تفرَّق عنه مِن أهله ناسٌ، واجتمعوا له، فقال: قد غزوتُ مع رسول الله ﷺ وغزوتُ، فلو أنِّي أقمتُ العام في أهلي. فلمّا خرج رسولُ الله ﷺ وأصحابُه قال: ما خَلَّفني عن رسول الله ﷺ وما استبق إليه المؤمنون من الجهاد في سبيل الله إلا ضنٌّ بكم أيها الأهل، اللَّهُمَّ، إنّ لك عَلَيَّ ألّا أرجع إلى أهلي ومالي حتى أعلم ما تَقْضِي فِيَّ. وأَمّا الآخَر فقال: اللَّهُمَّ، إنّ لك عَلَيَّ أن ألحق بالقوم حتى أدركهم، أو أنقطع. فجعَل يتبَع الوَقْعَ١ والحُزُونَة٢ حتى لَحِق بالقوم؛ فأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النبى﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾. قال الحسن: يا سبحان الله، واللهِ، ما أكلُوا مالًا حرامًا، ولا أصابوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، غير أنّهم أبطئوا عن شيء مِن الخير؛ الجهاد في سبيل الله، وقد -واللهِ- جاهدوا، وجاهدوا، وجاهدوا، فبلغ منهم ما سمِعْتُم، فهكذا يبلغُ الذَّنبُ مِن المؤمن٣
التخريج
  1. ١الوقع: المكان المرتفع. لسان العرب (وقع).
  2. ٢الحزونة: المكان الغليظ الخشن. النهاية (حزن).
  3. ٣أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٩٠٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- قال: غزا رسولُ الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة، ولَقِيَه بها وفْدُ أذْرُحَ ووَفْدُ أيْلَةَ، فصالحهم رسولُ الله ﷺ على الجزية. ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يُجاوِزْها، وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ الآيةَ. والثلاثةُ الذين خُلِّفُوا رهطٌ، منهم كعب بن مالك، وهو أحد بني سلِمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلًا، فلمّا رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة صدَقَه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذَب سائرُهم، فحلفوا لرسول الله ﷺ ما حَبَسَهُم إلا العُذْرُ، فقَبِل منهم رسولُ الله، وبايعهم، ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حين حَدَّثوه حديثَهم، واعترفوا بذنوبهم: «قد صَدَقْتُم، فقوموا حتى يقضي الله فيكم». فلمّا أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ حتى بلغ: ﴿لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [التوبة:٩٥-٩٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٥٨-٥٩.
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١٨ من سورة التوبة

٥١ وقفةً في هذه الآية

  • }و على الثلاثة الذين خُلِّفوا{ خُلّفوا ليس المقصود تخلفهم عن القتال ولكنها بمعنى أُخِّروا عمن اعتذر فلم تقبل توبتهم في الحال

    — بدون مصدر

  • ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) ضاقت علي الصادقين لتسوقهم لفرج التوبة ولم تضق على المنافقين أحزانك مفاتيح الفرج .

    — عبدالله بلقاسم

  • "وضاقت عليكم الأرض" دون توفيق الله أوسع البقاع .. أضيق الرقاع .

    — #إشراقات براءة

  • ( وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) لحـظة اليأس واستحـالة زوال الغمّ ، إلا من الله ، بداية الفرج وقدوم النِعمّ .

    — عايض المطيري

  • ثم تاب عليهم ليتوبوا" تحتاج أن يتوب عليك لتتوب إليه .. التوبة ليست قرارا شجاعا .. بل هداية ورحمة

    — علي الفيفي

  • مهما ضاقت على المؤمن أرضه ونفسه فإن السماء لا تضيق عليه(حتى إذا ضاقت عليهم اﻷرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه)

    — سعود الشريم

  • وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" حين نشعر بعجزنا وعجز اﻵخرين حولنا نصبح أقرب ما يكون للفرج.

    — عبدالله بلقاسم

  • (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) "من مفهومها : (النفس الواسعة تغني عن سعة الأرض) ."

    — عقيل الشمري

  • ‏﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر﴾ الأنباء والأخبار للازدجار والإنذار لا للتفكه والتسلي والانبهار .

    — محمد الفراج

  • "وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" المدينة مفعمة بالأصحاب والكرماء والأوفياء ولكنهم أدركوا أنه ليس لضيق النفس أحد سواه .

    — عبدالله بلقاسم

  • (ضاقت عليهم الأرض بما رحُبَت!) عندما يحاصرك هم المعصية وأنت مؤمن،،

    — وليد العاصمي

  • ( ضاقت عليهم الأرض ...وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) الأرض ضاقت فلجأوا لله . (إذا ضاقت الأرض عليك اتسعت السماء ليديك)"

    — عقيل الشمري

و٣٩ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١١٨ من سورة التوبة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١١٨ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(118) And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness[505] and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,[506] the Merciful.
[505]- Thus it seemed to them in their extreme distress.
[506]- Refer to footnote in 2:37.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال