التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وكما تقبل الله - تعالى - توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم - ﷺ - في ساعة السعرة. فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك في غزوة تبوك، فقال - تعالى - :﴿وَعَلَى الثلاثة الذين...﴾.
هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها. والمعنى : لقد تقبل الله - تعالى - بفضله وإحسانه توبة النبى والمهاجرين والأنصار، وتقبل كذلك توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة، والذين سبق أن أرجأ الله حكمه فيهم بقوله ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ..﴾ وقوله :﴿حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ كناية عن شدة تحيرهم، وكثرهم حزنهم، واستسلامهم لحكم الله فيهم.
أى : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها، بسبب إعراض الناس عنهم، ومقاطعتهم لهم، وضاقت عليهم أنفسهم، بسبب الهم والغم الذي ملأها واعتقدوا أنهم ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه.
حتى إذا كان كذلك، جاءهم فرج الله، حيث قبل توبتهم، وغفر خطأهم وعفا عنهم.
وقوله :﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ أى : بعد هذا التأديب الشديد لهم، تقبل - سبحانه - توبتهم، ليتوبوا إليه توبة نصوحا، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة رسوله، إن الله - تعالى - هو الكثير القبول لتوبة التائبين، وهو الواسع الرحمة بعباده المحسنين.
هذا، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع ؛ وكلهم من الأنصار.
وقد ذكرت قصتهم في الصحيحين وفى غيرهما من كتب السنة والسيرة، وهناك خلاصة لها :
قال الإِمام ابن كثير : روى الإِمام " أن كعب بن مالك قال، لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزة غزاها قط إلا في تبوك.
وكان من خبرى حين تخلفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك. أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه في تلك الغزوة.
وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والضلال، وتجهر لها المؤمنون معه، فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض من جهازى شيئاً.. فأقول لنفسى أنا قادر على ذلك إذا أردت... ولم يزل ذلك شأنى أسرعوا وتفارظ الغزوة، فهممت أن أرتحل فألحقهم - وليتنى فعلت - ولكن لم يقدر لى ذلك.
ولم يذكرنى رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك فقال : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بنى سلمة : حبسه برداه والنظر في عطفيه.
فقال معاذ بن جبل : بئسما قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله - ﷺ -. قال كعب : فلما بلغنى أن رسول الله قد توجه قافلا من تبوك، حضرنى بثى، وطفقت أتذكر الكذب وأقوال بماذا أخرج من سخط غدا ؟.
وعندما عاد الرسول - ﷺ - إلى المدينة جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه.. وجئت إليه فقال : تعالى.. ما خلفك ؟ ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟
فقلت يا رسول الله ؛ إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر. والله لقد علمت لئن حدثتك اليم بحديث كذاب ترضى به عنى، ليوشكن الله أن يسخطك على. ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه، إنى لأرجو عقبى ذلك من الله - تعالى - والله ما كان لى من عذر.
قال - ﷺ - أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضى الله فيك. وكان هناك رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.
قال : ونهى رسول الله - ﷺ - كلامنا، فاعتزلنا الناس وتغيروا لنا... ولبثنا على ذلك خمسين ليلة.... ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا.
قال : ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا أنا على الحال التي ذكرها الله عنا، قد ضاقت على نفسى.. سمعت صراخا يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك.
وذهبت إلى رسول الله - ﷺ - فقال : أبشر بخير يوم مر عليك منذر ولدتك أمك. قال : وأنزل الله - تعالى - ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾ "
الآية.
قال الإِمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه : هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده، حيث قبل توبتهم، وغسل حوبتهم. إنه بهم رءوف رحيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى