تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ الآية ١١٨.
حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ثنا سلامة بن روح بن خالد حدثني عقيل بن خالد قال : سألت محمد بن مسلم عن أمر كعب بن مالك حين تخلف عن عزوة تبوك، فأخبرني محمد بن مسلم أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أخبره أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عنه غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حين جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة.
فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عن تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل عدوا كثيرا ومفازا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي : إني قادر علي ذلك إذا أردته، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى تشمر بالناس الجد، وأصبح رسول الله ﷺ غاديا، والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت : أتجهز بعده يوم أو يومين ثم ألحقهم، فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفاوت الغزو، وهممت أن ارتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي فطفقت إذا خرجت في الناس أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بتبوك فقال وهو جالس في وسط القوم : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه براده، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطته غدا ؟ واستعين على ذلك بكل ذي لب من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادما زاح الباطل عني وعرفت ألا أنجو منه بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمإنين رجلا فقبل علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال : ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرا ؟ قلت : بلى يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك اليوم من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله - ﷺ - : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا : والله ما علمناك أذنبت قط قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله - ﷺ - مما أعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك قال كعب : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم : هل لقى هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا : مثل ما قلت وقيل لهما : مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري، هلال بن أميه الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله - ﷺ - الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عليه فاجتنبنا الناس، واعتزلونا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي كنت أعرف فلبثنا علي ذلك خمسين ليله فأما صاحباي : فاشتكيا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا : فكنت أجلد القوم وأشبههم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله - ﷺ – والمسلمين، وأطوف في الأسواق لا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فأسلم عليه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفت إلى نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت يوما حتى تصورت جدار حائط لأبى قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام، فقلت له : يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب لله ورسوله ؟ قال : فسكت، فعدت فنشدته، قال : فسكت قال : فعدت فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، فتوليت حتى تصورت الجدار.
قال كعب : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان - وكتب كتابا فإذا فيه، أما بعد : فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا منقصة، الحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته : وهذا أيضا من البلاء فتيممت التنور فسجرته بها.
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله ﷺ يأتيني فقال : إن رسول الله ﷺ يأمرك بان تعتزل امرأتك قال : فقلت له : أطلقها، أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، اعتزلها ولا تقربها، وأرسل رسولا إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وجاءت امرأة هلال بن أمية إلي رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ولكن لا يقربك قالت : إنه والله ما به حركة إلا شيء، والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية قال : فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول لي : رسول الله إذا استأذنته، وأنا رجل شاب ؟.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا ثم صليت صلاة صبح خمسين ليلة علي ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس علي الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت على نفسي، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل بأعلى سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك، ابشر فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج وأذن رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه بشارة والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنوني يقولون : لنهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره فكان كعب لا ينساها لطلحة قال : فلما سلمت علي رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : " وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك فقلت : امن عند الله يا رسول الله ﷺ إذا سر وجهه استنار حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال : امسك سهمي الذي بخيبر فقلت : يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلي يومي هذا وإني لأرجو أن يعصمني الله فيما بقى.
قال كعب : وانزل الله على رسوله ﴿لقد تاب الله علي النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا أن الله هو التواب الرحيم﴾ قال كعب بن مالك : فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله إلا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل وحيه شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى اسمه ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾. قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجا رسول الله أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه، فلذلك قال الله عز وجل ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا لتخلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منهم - ﷺ -.
حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مبارك قال : سمعت الحسن قال : لما غزا رسول الله ﷺ تبوك تخلف كعب بن مالك وهلال بن أمية وربيع بن مرارة أو مرارة بن الربيع قال : أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة قال : قد غزوت مع رسول الله ﷺ فلو أقمت عامي هذا في هذا الحائط فأصبت منه فلما خرج رسول الله ﷺ وأصحابه دخل حائطه فقال : ما خلفني عن رسول الله وما استبق المؤمنون من الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط، اللهم إني أشهدك اني قد تصدقت به في سبيلك.
وأما الآخر : فكان قد تفرق عنه من أهله ناس، واجتمعوا له فقال : قد غزوت مع رسول الله ﷺ وغزوت، فلو أني أقمت العام في أهلي فلما خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال : ما خلفني عن رسو
حدثنا محمد بن عزيز الأيلي ثنا سلامة بن روح بن خالد حدثني عقيل بن خالد قال : سألت محمد بن مسلم عن أمر كعب بن مالك حين تخلف عن عزوة تبوك، فأخبرني محمد بن مسلم أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أخبره أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عنه غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حين جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة.
فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عن تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل عدوا كثيرا ومفازا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه، والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي : إني قادر علي ذلك إذا أردته، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى تشمر بالناس الجد، وأصبح رسول الله ﷺ غاديا، والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت : أتجهز بعده يوم أو يومين ثم ألحقهم، فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفاوت الغزو، وهممت أن ارتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي فطفقت إذا خرجت في الناس أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بتبوك فقال وهو جالس في وسط القوم : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه براده، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطته غدا ؟ واستعين على ذلك بكل ذي لب من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادما زاح الباطل عني وعرفت ألا أنجو منه بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمإنين رجلا فقبل علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال : ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرا ؟ قلت : بلى يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك اليوم من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله - ﷺ - : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا : والله ما علمناك أذنبت قط قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله - ﷺ - مما أعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك قال كعب : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم : هل لقى هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا : مثل ما قلت وقيل لهما : مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري، هلال بن أميه الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله - ﷺ - الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عليه فاجتنبنا الناس، واعتزلونا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي كنت أعرف فلبثنا علي ذلك خمسين ليله فأما صاحباي : فاشتكيا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا : فكنت أجلد القوم وأشبههم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله - ﷺ – والمسلمين، وأطوف في الأسواق لا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه فأسلم عليه بعد الصلاة فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفت إلى نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت يوما حتى تصورت جدار حائط لأبى قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام، فقلت له : يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب لله ورسوله ؟ قال : فسكت، فعدت فنشدته، قال : فسكت قال : فعدت فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، فتوليت حتى تصورت الجدار.
قال كعب : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان - وكتب كتابا فإذا فيه، أما بعد : فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا منقصة، الحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته : وهذا أيضا من البلاء فتيممت التنور فسجرته بها.
حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله ﷺ يأتيني فقال : إن رسول الله ﷺ يأمرك بان تعتزل امرأتك قال : فقلت له : أطلقها، أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، اعتزلها ولا تقربها، وأرسل رسولا إلى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وجاءت امرأة هلال بن أمية إلي رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ولكن لا يقربك قالت : إنه والله ما به حركة إلا شيء، والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب : فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية قال : فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول لي : رسول الله إذا استأذنته، وأنا رجل شاب ؟.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا ثم صليت صلاة صبح خمسين ليلة علي ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس علي الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت على نفسي، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل بأعلى سلع بأعلى صوته : يا كعب بن مالك، ابشر فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج وأذن رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبي فكسوتهما إياه بشارة والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنوني يقولون : لنهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره فكان كعب لا ينساها لطلحة قال : فلما سلمت علي رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : " وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك فقلت : امن عند الله يا رسول الله ﷺ إذا سر وجهه استنار حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال : امسك سهمي الذي بخيبر فقلت : يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلي يومي هذا وإني لأرجو أن يعصمني الله فيما بقى.
قال كعب : وانزل الله على رسوله ﴿لقد تاب الله علي النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا أن الله هو التواب الرحيم﴾ قال كعب بن مالك : فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله إلا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل وحيه شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى اسمه ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾. قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجا رسول الله أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه، فلذلك قال الله عز وجل ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا لتخلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منهم - ﷺ -.
حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مبارك قال : سمعت الحسن قال : لما غزا رسول الله ﷺ تبوك تخلف كعب بن مالك وهلال بن أمية وربيع بن مرارة أو مرارة بن الربيع قال : أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة قال : قد غزوت مع رسول الله ﷺ فلو أقمت عامي هذا في هذا الحائط فأصبت منه فلما خرج رسول الله ﷺ وأصحابه دخل حائطه فقال : ما خلفني عن رسول الله وما استبق المؤمنون من الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط، اللهم إني أشهدك اني قد تصدقت به في سبيلك.
وأما الآخر : فكان قد تفرق عنه من أهله ناس، واجتمعوا له فقال : قد غزوت مع رسول الله ﷺ وغزوت، فلو أني أقمت العام في أهلي فلما خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال : ما خلفني عن رسو