روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
وَعَلَى الثلاثة } عطف على ﴿النبى﴾، [التوبة: ١١٧] وقيل : إن ﴿تَابَ﴾ مقدر في نظم الكلام لتغاير هذه التوبة السابقة وفيه نظر، أي وتاب على الثلاثة ﴿الذين خُلّفُواْ﴾ أي خلف أمرهم وأخر عن أمر أبي لبابة وأصحابه حيث لم يقبل منهم معذرة مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل الوحي بهم، فالإسناد إليهم إما ممجاز أو بتقدير مضاف في النظم الجليل، وقد يفسر المتعدي باللازم أي الذين تخلفوا عن الغزو وهم كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، ويقال فيه ابن ربيعة، وفي مسلم. وغيره وصفه بالعامري وصوب كثير من المحدثين العمري بدله.
وقرأ عكرمة. ورزين بن حبيش. وعمرو بن عبيد ﴿خُلّفُواْ﴾ بفتح الخاء واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ علي بن الحسن. ومحمد الباقر. وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم. وأبو عبد الرحمن السلمي. ﴿*خالفوا﴾، وقرأ الأعمش :﴿وعلى﴾ وظاهر قوله تعالى :﴿خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الآرض﴾ إنه غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الآرض ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برحبها وسعتها لاعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم ومحادثتهم لأمر النبي ﷺ لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة، والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا سعتها وهو كما قيل
وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي قلوبهم وعبر عنها بذلك مجازاً لأن قيام الذوات بها، ومعنى ضيقها غمها حزنها كأنها لا تسع السرور لضيقها، وفي هذا ترق من ضيق الآرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم وهو في غاية البلاغة ﴿وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ أي علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى استغفاره والتوبة إليه سبحانه، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي وفقهم للتوبة ﴿لِيَتُوبُواْ﴾ أو أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها، وقيل : التوبة ليست هي المقبولة، والمعنى قبل توبتهم من التخلف ليتوبوا في المستقبل إذ صدرت منهم هفوة ولا يقنطوا من كرمه سبحانه ﴿إِنَّ الله هُوَ التواب﴾ المبالغ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة ﴿الرحيم﴾ المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب.
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والبيهقي من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال :«سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدوّاً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرلا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فقال رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتهجز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غداً أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب ثم قال لي : تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي : ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ فقلت : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلاً ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبي من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ قال : فوالله ما زالوا يرايبوني حتي أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع.
وهلال بن أمية فذكروا إلى رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال : ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الآرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتى رسول الله ﷺ وهو في ملجسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لاثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له : أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أتي أحب الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ قال : فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال : الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل علي كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فإذا فيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته فيها إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول الله ﷺ يأتيني فقال : إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت : لامرأتى الحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ فقال : لا ولكن لا يقربنك قالت : وإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال : فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنها قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت على الآرض بما رحبت سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلى رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يؤمئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنؤنني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله تعالى علك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب : فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو ببرق وجهه من السرور : ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله تعالى، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من تو
وقرأ عكرمة. ورزين بن حبيش. وعمرو بن عبيد ﴿خُلّفُواْ﴾ بفتح الخاء واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ علي بن الحسن. ومحمد الباقر. وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم. وأبو عبد الرحمن السلمي. ﴿*خالفوا﴾، وقرأ الأعمش :﴿وعلى﴾ وظاهر قوله تعالى :﴿خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الآرض﴾ إنه غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الآرض ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي برحبها وسعتها لاعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم ومحادثتهم لأمر النبي ﷺ لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة، والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا سعتها وهو كما قيل
| كأن بلاد الله وهي فسيحة | على الخائف المطلوب كفة حابل { |
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والبيهقي من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال :«سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدوّاً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرلا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فقال رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتهجز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غداً أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل : إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب ثم قال لي : تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي : ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ فقلت : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلاً ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبي من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ قال : فوالله ما زالوا يرايبوني حتي أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع.
وهلال بن أمية فذكروا إلى رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال : ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الآرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتى رسول الله ﷺ وهو في ملجسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لاثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له : أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أتي أحب الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ قال : فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال : الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل علي كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فإذا فيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته فيها إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول الله ﷺ يأتيني فقال : إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت : لامرأتى الحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ فقال : لا ولكن لا يقربنك قالت : وإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال : فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنها قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت على الآرض بما رحبت سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلى رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يؤمئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنؤنني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله تعالى علك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب : فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو ببرق وجهه من السرور : ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله تعالى، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من تو