غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿موطئاً﴾ ونحوه بالياء : يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿غلظة﴾ بفتح الغين : المفضل. الباقون بكسرها. ﴿أولا ترون﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين : حمزة ويعقوب. الباقون على الغيبة.
الوقوف :﴿عن نفسه﴾ ط ﴿صالح﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه لا للعطف ﴿يعملون﴾ ه ﴿كافة﴾ ط ﴿يحذرون﴾ ه ﴿غلظة﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿إيماناً﴾ ط ﴿يستبشرون﴾ ه ﴿كافرون﴾ ه ﴿يذكرون﴾ ه ﴿إلى بعض﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ثم انصرفوا﴾ ط ﴿لا يفقهون﴾ ه ﴿عزيز﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿حسبي الله﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿إلا هو﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه.
التفسير : لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [ الآية : ١١٩ ] أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال :﴿ما كان لأهل المدينة﴾ أي لا يستقيم ولا يجوز لهم. والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام. ومعنى ﴿ولا يرغبوا﴾ ولا أن يرغبوا. يقال : غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله ﷺ بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه. وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية. ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال :﴿ذلك بأنهم﴾ أي الوجوب الدال عليه بقوله :﴿ما كان لهم﴾ بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب. والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطئ إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ﴿يغيظ﴾ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر. ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك. قال ابن الأعرابي : غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى. ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح. وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية. وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم. وقال الشافعي : لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً. قال قتادة : هذا الحكم من خواص رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر. وقال ابن زيد : هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله :﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ وقال عطية : ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم. قال العلماء : وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي إلى تعطيل الجهاد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ما كان لأهل﴾ مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ﴿ومن حولهم من الأعراب﴾ الصفات النفسانية والقلبية ﴿أن يتخلفوا عن رسول﴾ الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ﴾ من ماء الشهوات ﴿ولا نصب﴾ من أنواع المجاهدات ﴿ولا مخمصة﴾ بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله ﴿لا يطئون موطئاً﴾ من مقامات الفناء ﴿يغيظ﴾ كفار النفس والهوى ﴿ولا ينالون من عدوّ﴾ الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ من البقاء بالله بقدر الفناء في الله ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة﴾ هي بذل الصفات ﴿ولا كبيرة﴾ هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته ﴿ولا يقطعون وادياً﴾ من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح. ﴿أحسن ما كانوا يعملون﴾ لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ [السجدة: ١٧] ﴿وما كان المؤمنون لينفروا﴾ في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم ﴿لعلهم يحذرون﴾ من غير الله. ﴿قاتلوا الذين يلونكم﴾ من كفار النفس والهوى وصفاتها ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ عزيمة صادقة في ترك شهواتها ﴿وماتوا وهم كافرون﴾ أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله :﴿أولا يرون أنهم يفتنون﴾ والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] أي قلب حي ﴿هل يراكم من أحد﴾ في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ﴿ثم انصرفوا﴾ على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب. ﴿من أنفسكم﴾ تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله. ومن قرأ ﴿من أنفسكم﴾ أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله تعالى «أول ما خلق الله تعالى روحي» ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] ولعلو همته، ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] ولرؤيته سر القدر ﴿ولقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ فمن رأفته أمر بالرفق كما قال :«إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق» ومن رحمته قيل له ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهاهنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ ونكتة أخرى هي أن رحمته ﷺ عامة للعالمين بقوله :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط ﴿فقل حسبي الله﴾ لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.

القراءات :﴿موطئاً﴾ ونحوه بالياء : يزيد والشموني وحمزة في الوقف ﴿غلظة﴾ بفتح الغين : المفضل. الباقون بكسرها. ﴿أولا ترون﴾ بتاء الخطاب للمؤمنين : حمزة ويعقوب. الباقون على الغيبة.
الوقوف :﴿عن نفسه﴾ ط ﴿صالح﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه لا للعطف ﴿يعملون﴾ ه ﴿كافة﴾ ط ﴿يحذرون﴾ ه ﴿غلظة﴾ ط ﴿المتقين﴾ ه ﴿إيماناً﴾ ط ﴿يستبشرون﴾ ه ﴿كافرون﴾ ه ﴿يذكرون﴾ ه ﴿إلى بعض﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم ﴿ثم انصرفوا﴾ ط ﴿لا يفقهون﴾ ه ﴿عزيز﴾ ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم ﴿حسبي الله﴾ ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية ﴿إلا هو﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى