فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
في قوله :﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة﴾ إلخ، زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله ﷺ، وتحريم التخلف عنه : أي ما صح وما استقام لأهل المدينة ﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب﴾ كمزينة وجهينة، وأشجع وأسلم وغفار ﴿أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾، ﷺ في غزوة تبوك، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا، فلم ينفروا، بخلاف غيرهم من العرب، فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله ﷺ ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي : وما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فيشحون بها ويصونونها، ولا يشحون بنفس رسول الله، ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال : رغبت عن كذا : أي ترفعت عنه، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق، ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاق. ويبذلوا أنفسهم دون نفسه ؛ وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم، والتقريع الشديد، والتهييج لهم، والإزراء عليهم. والإشارة بقوله :﴿ذلك﴾ إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله ﷺ : أي ذلك الوجوب عليهم بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب، وأصناف الشدائد. والظمأ : العطش، والنصب : التعب، والمخمصة : المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن. وقرأ عبيد بن عمير «ظماء » بالمدّ. وقرأ غيره بالقصر، وهما لغتان مثل خطأ وخطاء، و﴿لا﴾ في هذه المواضع زائدة للتأكيد. ومعنى ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ في طاعة الله.
قوله :﴿وَلاَ يَطَئونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار﴾ أي : لا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ للكفار. والموطئ : اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدراً ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نيْلاً﴾ أي : يصيبون من عدوّهم قتلاً أو أسراً أو هزيمة أو غنيمة، وأصله : من نلت الشيء أنال : أي أصيب. قال الكسائي : هو من قولهم : أمر منيل منه، وليس هو من التناول، إنما التناول من نلته بالعطية. قال غيره : نلت أنول من العطية، ونلته أناله : أدركته، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى كل واحد من الأمور المذكورة، والعمل الصالح : الحسنة المقبولة : أي إلا كتبه الله لهم حسنة مقبولة يجازيهم بها، وجملة :﴿إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن، ويصدق على المذكورين هنا صدقاً أوّلياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك، عن بعض الصحابة قال : لما نزلت :﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ :«والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله :﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة﴾ قال هذا حين كان الإسلام قليلاً لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله ﷺ، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله :﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن محمد الفزاري، وعيسى بن يونس السبيعي، أنهم قالوا في قوله تعالى :﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً﴾ قالوا : هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى