تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) الآية، وفيها قولان :
أحدهما :«أن النبي ﷺ كان يبعث بالسرايا بعد غزوة تبوك، فكان الناس يخرجون جميعهم لعظم ما أصابهم من التعيير والملامة في التخلف، فأنزل الله تعالى هذه الآية »(١). قال قتادة : هذا في السرايا، فأما إذا خرج الرسول ﷺ بنفسه فعليهم أن يخرجوا جميعا معه.
و القول الثاني : أن النبي ﷺ كما دعا على مضر، وقال :«اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف، قال : فأصابهم قحط شديد وجدب، فجعلت القبيلة تقبل إلى المدينة بأجمعهم ويقولون : أسلمنا، فكانوا يضيقون على أهل المدينة منازلهم ويلوثون الطرقات، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فردهم رسول الله ﷺ إلى قبائلهم »(٢). وقوله :( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) معناه : هلا نفر من كل فرقة منهم طائفة، فعلى الأول معنى الآية : هو النهي عن ترك رسول الله ﷺ وحده. وقوله :( ليتفقهوا في الدين ) يعني : ليحضروا نزول القرآن وبيان السنن ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) معناه : ليعلموا السرية إذا رجعوا إليهم ما نزل من القرآن والسنن.
وعلى القول الثاني معنى الآية : ما كان لأهل القبائل أن ينفروا جميعا إلى المدينة ويتركوا مواضعهم ؛ ولكن لينفر من كل فرقة طائفة أي : من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم ( لعلهم يحذرون ).
وأما الطائفة : فهو اسم لثلاثة فما زاد، وقد ورد في القرآن ذكر الطائفة، والمراد منه : الواحد، وقد ذكرناه في قوله تعالى :( إن نعف عن طائفة منهم ) (٣) من قبل.
واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد، والمسألة في الأصول ( كبيرة ) (٤).
وأما الفقه فهو في اللغة : عبارة عن الفهم، وفي الشرع : عبارة عن علم مخصوص وهو علم الأحكام.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال :«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين »(٥).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال :«الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا »(٦). وفي بعض الأخبار :«أفضل العبادة : الفقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد »(٧). وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال : طلب
العلم أفضل من صلاة النافلة.
١ - ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ١٩٩) من رواية الكلبي عن ابن عباس..
٢ - رواه الطبري (١١/٥٠) عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر (٣/٣١٧) لابن أبي حاتم أيضا..
٣ - التوبة: ٦٦..
٤ - في "ك" : كثيرة..
٥ - متفق عليه من حديث معاوية بن أبي سفيان، رواه البخاري (١/١٩٧ رقم ٧١)، ومسلم (٧/١٧٩-١٨٠ رقم ١٠٣٧)، وقد تقدم..
٦ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٦٠٨ رقم ٣٤٩٣، ٣٤٩٤)، ومسلم (١٥/١١٧-١١٨ رقم ٢٥٢٦)..
٧ - رواه الطبراني في الصغير (٢/٢٥١ رقم ١١١٤)، والأوسط كما في مجمع البحرين (١/١٩٢ رقم ١٩٥) عن ابن عمر وقال الهيثمي في المجمع (١/١٢٥): رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي ليلى، ضعفوه لسوء حفظه. وقال العراقي في تخريج الإحياء (١/٧): عند الطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف. قلت: والشطر الثاني منه رواه البخاري في تاريخه الكبير (٣/٣٠٨)، والترمذي (٥/٤٦-٤٧ رقم ٢٦٨١)، وابن ماجة (١/٨١ رقم ٢٢٢) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/٢٤)، والآجري في أخلاق العلماء (ص ٢٤-٢٥) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/١٢٥) وابن الجوزي في العلل (١/١٣٤) من حديث ابن عباس. وروى أيضا من حديث أبي هريرة وغيره، انظر جامع بيان العلم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى